تخطي للذهاب إلى المحتوى

المدينة المستقيمة والأجساد المنحنية: الأمومة كبنية تحتية غير مرئية في عمّان

16 سبتمبر 2026 بواسطة
Lama Ikmail - لمى اكميل

تحمل أجسادنا آثار المدن التي نسكنها، نحن أرشيفات متحركة نحمل في عضلاتنا تعثرات الأرصفة وثقل عربات الأطفال في المسارات الخشنة، وفي ذاكرتنا ضيق المساحات التي عبرنا خلالها. نتذكر النظرات التي صفعت وجوهنا وأجسادنا خلال رحلاتنا اليومية، ونستعيد شعور الألم والضغط في كل مرة يقسو فيها جسد المدينة على أجسادنا. تعسكرنا مدننا وتوجه حركتنا، وتدفعنا لنتقلص لنلائم موجوداتها وشكلها.

في مقابلة أجريتها مع مجموعة من الأمهات، في أواخر عام 2023 كجزء من رحلتي الأكاديمية، واجهتني إحداهن بشيء لم أختبره بعد. أخبرتني كيف عسكرت عمّان جسدها بعدما أنجبت طفلتها الأولى، وكيف شكلت تجربة الولادة مرحلة جديدة من فهمها لجسدها: ما يصح أن ترتديه، والأماكن التي يمكن أن تتوجه إليها، والوقت المناسب لذلك. أخبرتني كم يكون شعور التقلص مؤلماً وموجعاً حينما تشكله قساوة المدينة ومساحاتها على جسد لا يشبه معياريتها.

رحت أقارب تجربتها بتجربة جسدي الذي يمتلك امتياز تنقل، يظل مرهوناً بمساومات جندرية غير مكتوبة، ما زلت أستطيع أن أقف جزئياً عند حدود شعوري بالانتماء والراحة في بعض تجاربي المكانية، وهي علامة على توافق جسدي مع المعايير التي صممت البيئة وفقاً لها، بينما يمثل عدم التلاؤم في أكثرها تجربة جسدية مؤلمة تكشف زيف الحياد المؤسسي.

دفعتني هذه الملاحظات إلى مجموعة من التساؤلات: ماذا يحدث حين لا يشبه الجسد معيارية المدينة؟ كيف يُعاد تشكيل الحركة والإدراك والحق في الحضور عندما يصبح الجسد خارج مقاسات التصميم المسبق؟ وكيف تتدبر الأجساد العلائقية[1] أمرها، تلك التي تتحرك كوحدة مركبة من الأم وجسدها المتحول وطفلها وعربته وامتداداتها المادية، في مواجهة هذا الاختلال البنيوي؟

خلال رحلتي البحثية، بدأت أفهم كيف تكشف أجسادنا، وتلك الأكثر علائقية منها، من خلال حركتها المتعثرة، حدود ادعاء الحياد في التخطيط الحضري، فالممارسات التخطيطية في الواقع تنتج مساحات عامة تخفي في حدودها منظوراً أعمى جندرياً، يتجاهل الفروق الاجتماعية والاحتياجات الخاصة بالفئات المتنوعة. يُفترض في هذا النوع من التخطيط أن المستخدم المعياري للمدينة هو رجل، مستقل، ومعافىً جسدياً، وغير مرتبط بمسؤوليات الرعاية. هذه الافتراضات تُعتبر معياراً لتصميم المساحات الحضرية، مما يساهم في بناء بيئة لا تلبي احتياجات الأفراد غير القادرين على التكيف مع هذا النموذج، مثل الأمهات والأطفال وكبار السن.

 يسعى هذا المقال إلى تفكيك الكيفية التي يُعاد من خلالها إنتاج الإقصاء عبر التصميم اليومي بوصفه عائقاً مادياً و عنفاً متجسّداً تُعاد كتابته على الأجساد. ومن هنا، أنطلق لتخيل مدينة يُعاد تصورها بدءاً من الهشاشة والاعتماد المتبادل، لا من وهم الاستقلالية المفترضة. أستند في الكتابة على عملي البحثي خلال السنوات الأربع الماضية، وفي سبيل توضيح الرؤية وتقريب المشهد أستحضر هنا بعض الأصوات، مشيرةً إليها بأسماء مستعارة، بهدف تعزيز الحجة وخلق حوار منهجي يربط بين التنظير والواقع المعاش، وأجد من الضرورة المنهجية والأخلاقية الإقرار بأن التجارب التي أطرحها وأحللها في هذا السياق، رغم عمقها، لا تدعي الشمولية؛ فهي لا تعكس بالضرورة التعددية الواسعة لتجارب جميع النساء أو مقدمات الرعاية، و بذلك فإنني أطرحها كزاوية للنظر، معترفةً بخصوصية السياقات الاجتماعية والطبقية والثقافية التي تشكل تجربة كل امرأة ومقدمة رعاية على حدة، ومفسحةً المجال للاختلاف والتمايز كجزء أصيل من الحراك النسوي النقدي.

الأمومة والمدينة المستقيمة وسياسة الانزعاج في فضاءات عمان الحضرية

تعد دراسة الفضاءات الحضرية من منظور فينومينولوجي[2] محاولة لفهم كيفية تشكّل الوجود الإنساني من خلال التفاعل مع المادة والمعمار والخطوط المرسومة في المدينة. في هذا السياق، تقدّم سارة أحمد إطاراً نظرياً نقدياً يعيد تعريف "التوجه" (Orientation) كطريقة للسكن في العالم وتشكيل الهوية. إن الفضاءات التي نسكنها ليست حاويات محايدة، بل هي فضاءات موجهة مسبقاً، حيث تُصمَّم  لتناسب أجساداً معينة، مما يخلق ما تسميه سارة "المدينة المستقيمة"[3]

في مدينة مثل عمّان، تتجلّى هذه الاستقامة في التخطيط الذي يمنح الأولوية لحركة السيارات والمشي الفردي السريع، وهو ما يحوّل جسد الأم، بما يحمله من أعباء وتجهيزات مثل العربات، إلى جسد مائل أو منحرف عن المسارات المعيارية، فبعض الأجساد تتحرك بسهولة، فتتمدد، وتشعر بالراحة،  بينما تصطدم أجساد أخرى وتتعثّر وتتقلّص وتشعر أنها ليست في مكانها[4]، التوجه هنا يتعلّق بكيفية أن تتوافق جسدية الأم العلائقية مع المدينة، وكيف تتعلّم الحركة داخلها، وكيف تُعيد تشكيل يومها لتتجاوز قيود المدينة، نحن لا نتحرك في مدننا بشكل عشوائي، بل نفهم المدينة من خلال الاتجاه، عندما نكون قادرين/ات على تحديد أين نحن وإلى أين يمكننا أن نذهب وكيف يمكننا أن نصل، فنحن في حالة من التوجه، هذا التوجه يتجاوز مفهوم الحركة والجغرافيا فهو لا يعتمد على اللافتات أو الخرائط، بحسب سارة أحمد فإن التوجّه هو مسألة سكن وانتماء، أي كيف نعيش في المكان؟ هل نشعر أنه مصمّم لنا أم لا؟ هل تشعر أم مرضعة بالسكن والانتماء في الفضاء المفتوح في الساحة الهاشمية مثلاً؟

تصف سارة أحمد المدن المصممة على افتراض نوع معياري من الأجساد بالمدينة المستقيمة، الاستقامة هنا هي أن تتحرك بطريقة محددة، شيء يشبه أن نمشي على خط  مستقيم غير مرئي، إذا ما تتبعنا هذا الخط سيبدو كل شيء سهلاً وطبيعياً، هذا الافتراض يتناسب مع جسد مستقل، جسد يتحرك بسرعة، يمشي بمفرده، و لا يحمل أشياء ثقيلة ولا يقوم بفعل الرعاية وبذلك فهو لا يحتاج لتوقفات متكررة، يصبح الخط مرئياً و معيقاً بمجرد كسر الافتراض الطبيعي للجسد، هنا تتحول الاستقامة إلى انحناء، و في محاولة تتبع خط مرسوم لا يلائمنا ندرك كل ما يعيق وجودنا وحركتنا، كالمسافات الطويلة، والأدراج التي تقف أمام عجلات عربات الأطفال، والنهايات المغلقة والمساحات المعتمة والازدحام وحركة السيارات التي تضعنا في هامش المدينة.

تُجسّد رواية ندى[5]، و هي أم لطفلين، لحظة انكشاف حادّة لما يمكن تسميته باستقامة المدينة في عمّان، حيث تتحول البنية الحضرية من خلفية غير مرئية إلى فاعل مؤثر يعيد تشكيل الممارسات الجسدية اليومية، فحادثة دهس طفلها أثناء توجهه لزيارة صديق ليست واقعة عرضية، إذ يمكن قراءتها كنتاج مباشر لنظام مكاني يُعلي من أولوية حركة السيارات ويطبع سرعتها، مقابل تهميش حركات الأجساد الأبطأ والأكثر هشاشةً، كأجساد الأطفال. ضمن هذا الفهم، يُعدّ عجز الفضاء عن استيعاب الطفل دليلاً على محدودية المكان، لا على قصور في قدرات الطفل التكيفية.

تنعكس هذه الحادثة بشكل عميق على ممارسات ندى اليومية، حيث تتحول الرعاية من فعل اعتيادي إلى ممارسة يقظة ومشدودة بالخوف؛ فتمنع طفلها من الخروج منفرداً، وتحكم إمساك يد طفليها أثناء التنقل. لا تكتفي شوارع عمان ومساحاتها العامة بتنظيم الحركة، فهي تعيد تشكيل الجسد ذاته ضمن شروط المدينة المستقيمة التي تفترض الاستقلالية والسرعة والنوع الاجتماعي كمعيار، وبدل أن تعدل البنية الحضرية نفسها لاستيعاب الاختلاف، ينتج الانضباط من خلال الأجساد، حيث تفرض القيود عبر ممارسات الحذر والتقييد الذاتي.

و بالمثل تُظهر تجربة فرح[6]، وهي أم لطفل في مراحل مشيه الأولى، كيف أن الفضاءات العامة تشكل سلوك النساء من خلال مزيج من القيود الاجتماعية والمعمارية، فرح، كما العديد من النساء، تجد نفسها محكومة بنظرات المجتمع التي تحد من قدرتها على المشاركة في الفضاء العام، حيث يُفرض عليها أن تكون متفرجة على زوجها وطفلها بينما يركضان بحرية في الساحة الهاشمية: " بحب كثير أشاركهم اللعب بس بتعرفي كيف العيون بتكون كلها عليكي ، أنا ما بقبلها على حالي جسمي يهز و الشباب يطلعوا ".

تفسر نماء القضاة ذلك من خلال تجربتها الإثنوغرافية في مخيم الوحدات[7]، حيث تُدرب النساء على الحركة السريعة والمحدودة لتجنب التحرش والوصم، في كلا الحالتين، يتداخل النظام الأبوي مع البيئة المعمارية، كالأزقة الضيقة والإضاءة الخافتة والمساحات المصممة بدون مراعاة للسياق الثقافي، مما يعيد تشكيل سلوك النساء عبر خرائط ذهنية تحد من خياراتهن وتقلص من تفاعلهن مع المحيط. يُظهر هذا كيف أن الفضاء العام، رغم كونه مكاناً مشتركاً، يتحول إلى ساحة تُفرض فيها رقابة اجتماعية ومعمارية تقيد جسد المرأة وتحد من قدرتها على التفاعل بحرية.

 لا تتوقف عمان عند إعادة تشكيل السلوك ، فتذهب أبعد من ذلك إلى ما يمكن فهمه ضمن سياسة الانزعاج، فلم تعد المدينة تختفي كخلفية صامتة، حيث تنكشف كاحتكاك يومي مؤلم، هذا الاحتكاك يشمل طريقة ظهور الجسد العلائقي في الفضاء، فبينما ينسل الجسد المعياري في الزحام دون ملاحظة، تبرز الأم التي تصارع العربة كجسد فرط حاضر، يجذب الأنظار والمراقبة الاجتماعية، ويشعرها بعدم الانتماء.

أما الألم فلا يختزل في بعده البيولوجي أو العاطفي، ليعمل كإشارة سياسية تكثّف محدودية الانتماء إلى المكان، بما يخبرنا أن هذا الفضاء لم يُصمَّم ليحتضن هذه الأجساد أو ييسّر حركتها، في هذه اللحظة، يصبح الانزعاج أداة معرفة، تعيد توجيه الانتباه نحو البنى غير المرئية التي تنظّم الحركة وتوزّع الأمان بشكل غير متكافئ، وبذلك، تكشف تجربتا فرح وندى كيف تعمل استقامة عمّان كآلية إقصاء غير مباشرة من خلال إنتاج احتكاكات يومية تدفع بعض الأجساد إلى الانكماش أو الانسحاب، فالألم والخوف والحذر المستمر هي آثار مادية لسياسات مكانيّة تحدد من يمكنه التحرك بانسيابية، ومن يجبر على التفاوض الدائم مع المخاطر والقيود الثقافية والاجتماعية.

التخطيط الحضري في عمان: سياسة الخط المستقيم

شكلت مراحل الاستعمار وما بعد الاستعمار في عمان ملامح المدينة وواقعها الحضري من خلال تكريس ثنائية مجالية (Spatial Dualism) حادة، حيث رسمت السياسات البريطانية المبكرة ملامح المدينة كمركز إداري عسكري يفصل بين فضاءات النخبة والمساحات العامة. ومع الانتقال إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، تعزز هذا الانقسام عبر تبني نماذج تخطيط غربية اعتمدت الخط المستقيم كنموذج حداثي، وأعطت الأولوية للتمدد الأفقي المعتمد على المركبات، مع التركيز على السرعة والإنتاجية والاستقلالية، كنتيجة ظهرت عمان الغربية كواجهة للحداثة النيوليبرالية والمشاريع الكبرى المعزولة، في مقابل عمان الشرقية التي نمت بجهود ذاتية وموجات لجوء متتالية أنتجت عمارة عفوية ومنتظمة في آن واحد.

لقد شكّل هذا المسار التاريخي جغرافية المدينة وصاغ أولوياتها، حيث انتقلت المدينة من فكرة المدينة كحق مشاع وسكن تشاركي إلى مدينة مقسمة طبقياً، يُقاس مستوى جودتها بمدى قدرتها على استقطاب الاستثمار وتأمين تدفق حركة رأس المال والسلع والأفراد عبر وسائط النقل الخاصة. أدى هذا التحول إلى تهميش الفضاءات العامة التقليدية وإضعاف النسيج الاجتماعي لصالح التوسعات الطرقية الكبرى، مما أسفر عن تراجع حاد في جودة الحياة الاجتماعية وتحويل المجال العام من مساحة للتفاعل الإنساني إلى مجرد ممرات تقنية هندسية فاقدة للحياة. في ضوء ذلك، يعاد تعريف الوصول باعتباره مشروطاً بامتلاك سيارة، مما يستبعد الأجساد التي تتحرك ببطء، أو في علاقة مع أجساد أخرى.

يتجلى هذا الإقصاء بشكل أوضح في البيئات المعادية للمشاة، حيث تتحول الأرصفة إلى مساحات متقطعة أو محتلة، ويصبح التنقل اليومي مهمة شاقة تتطلب جهداً إضافياً، خاصة للأمهات، فتتجاهل المدينة بشكل صارخ العمل الرعائي ولا تعتبره جزءاً أساسياً من الحياة الحضرية، حيث يظهر جسد الأم مع امتداد عربة طفلها كانحناء يتعدى على استقامة المدينة ويعرّي حقيقة تصميمها الذي يستبعد الرعاية كفعل يومي، ويقصي الأجساد التي تجسده.

يتقاطع هذا الإقصاء مع منطق الجسد التكنولوجي، وهو جسد ممتد عبر السيارة، قادر على تجاوز المسافات والتضاريس دون احتكاك مباشر مع قسوة المدينة، يجري إعادة إنتاجه في عمان عبر الطرق السريعة والتقاطعات متعددة المستويات. غير أن هذا الامتداد ليس متاحاً للجميع، بل هو مشروط بالقدرة الاقتصادية، ويخفي في داخله شكلاً من أشكال الخصخصة الجندرية للرعاية[8].

و بذات المنطق، لا تصمم المساحات لتعاش أو تستخدم، بل لتُرى أثناء حركتنا السريعة في المدينة، فتتحول المساحات الخضراء إلى ما يمكننا تسميته بمساحات للمشاهدة. فالجزر الوسطى و الميادين المركزية كميدان جمال عبد الناصر (دوار الداخلية)، رغم حضورها البصري وكسوتها الخضراء، تعزل فعلياً عن الوصول البشري، لتخدم عين السائق لا جسد المستخدم. هنا، يقصى الجسد الأمومي من انسيابية الحركة، ومن التوقف ومن الراحة ومن إمكانية السكن المؤقت في الفضاء العام، فالأم التي تضطر لانتظار وسيلة نقل عند حواف هذا الميدان الصاخب، لا تجد في تلك الطبيعة المعزولة مكاناً للجلوس أو للرضاعة أو لتهدئة طفلها فيبدو المنظر بعيداً وغير قابل للاستخدام.

وبالمثل، يتجسد هذا المنطق في جسر عبدون، حيث تتحول الطبيعة في الوادي المحيط به إلى مجرد خلفية بصرية للجسد التكنولوجي المنطلق بسرعة، بينما يغدو الجسر نفسه فضاءً طارداً للأجساد العلائقية؛ إذ يفتقر لأدنى مقومات الأمان أو الراحة التي تسمح بلحظة رعائية وسط صرامة الإسمنت. بهذا المعنى، تفرض عمان نمطاً معيناً من الحركة وتدفع نحو تكريس العمل الرعائي كعبء جندري غير معترف به، حيث يدفع العمل الرعائي إلى الهامش أو إلى الفضاءات الخاصة، ويعامل كعائق بدل أن يعترف به كأساس للحياة الحضرية، و عليه لا يمكن فهم الهيمنة المركبية فقط كخيار تخطيطي، فهي بنية جندرية تعيد توزيع الحركة والأمان والحق في الوجود داخل المدينة بشكل غير متكافئ.

في بحثها الاستقصائي المعماري الإثنوغرافي حول جندرة المساحات العامة في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمان، الأردن[9]، جادلت نماء القضاة بأن الفضاء العام في المخيم ليس محايداً، حيث يُفهم كمساحة تشكلت عبر عقود من الزمن لتصبح بيئة يهيمن عليها الذكور، مما يفرض أنماطاً محددة من الحركة والسلوك على النساء. وعليه، ربطت نماء بين الشعور بالأمان والقدرة على البقاء والتسكع في الفضاءات العامة. التسكع، كما تعرفه شيلبا فادكي (Shilpa Phadke)، هو التواجد في هذه المساحات دون غرض محدد أو وجهة معينة، وهو ما يمتلك القدرة على تحويل الفضاء العام إلى بيئة أكثر شمولاً وتنوعاً، حيث يعكس حق الجميع في احتلال المساحة العامة والمجازفة بالتواجد فيها[10].

بهذا المعنى، تطرح نماء القضاة تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن اعتبار الشوارع والأزقة فعلاً مساحات عامة إذا كانت تحرم الأفراد، وخاصة النساء، من حق التواجد فيها بأريحية، و تجبرهم\ن على العبور المستمر دون القدرة على التوقف أو البقاء؟   فتجادل، نقلاً عن فادكي، بأنه بدلاً من مطالبة النساء بتجنب المخاطر، يجب التركيز على حقهن في المساحة العامة وسبل جعل هذه المساحات متاحة للجميع للتعايش فيها بحرية وأمان، وهو ذات السؤال الذي أطرحه هنا مجدداً عندما أفكر في الرعاية كفعل يومي يتطلب التوقف ولا يلتزم بنمط حركة واحد، بل يتداخل مع احتياجات الأجساد التي لا تسير وفق التسارع الرأسمالي الذي تفرضه المدينة الحديثة.

الأمومة كبنية تحتية غير مرئية في عمّان

تخبرني سناء[11] كيف اضطرت لصعود درج المصدار للوصول لمنزلها وهي تحمل طفلها ذي السنتين بين يديها، لأنها لم تمتلك تكلفة سيارة أجرة :" ما وصلت إلا و نفسي مقطوع و عرقي بزرب "

عندما تفشل استقامة المدينة في تلبية احتياجات الرعاية، تضطر النساء للقيام بعمل بنيوي غير مرئي ومجهد لتعويض هذا النقص، فتعمل أجسادهن كبنية تحتية احتياطية لتسد غياب البنى التحتية الرسمية. يتحول التعويض البدني إلى بديل عن الهندسة المعمارية، كما يحدث عند رفع العربات فوق الأدراج أو عند مداخل المحلات التجارية. وتتعدّد أشكال هذا العمل البنيوي الرعائي لتتجاوز ذلك، فتشمل ثقل اليقظة المعرفية في بيئات تفرض خطرها على الأجساد المنحنية؛ ففي شوارع تهيمن عليها حركة السيارات، يتطلب التحرك جهداً إدراكياً مضاعفاً، حيث تعمل الأم كسياج بشري يحمي أطفالها من مخاطر الاصطدام الناتجة عن غياب الأرصفة الآمنة.

 كما تبتكر الأمهات ومقدمات\ مقدمو الرعاية بنى تحتية غير رسمية تساعدهن على البقاء والتنقل. في جلسة جمعتني مع سبع أمهات من جبل النظيف، شاركتني المجموعة تجاربها في ابتكار بدائل غير رسمية للرعاية. فقد تنوعت أدوات المقاومة اليومية بين استعادة المساحات الدينية كالمسجد الحسيني، أو تطويع الفضاءات التجارية كغرف تبديل الملابس لتصبح غرف رضاعة مؤقتة، وصولاً إلى التوسل لأصحاب المحلات لاستخدام المرافق الأساسية. إلا أن هذا الابتكار يظل محفوفاً بالهشاشة؛ فبينما تمكنت بعض الأمهات من المناورة داخل هذه البدائل، أدت هذه العوائق بأخريات إلى الاضطرار للانسحاب من الفضاء العام كلياً، والعودة إلى المنزل أو اعتماد جداول زمنية صارمة لتنظيم حضورهن وتنقلهن في الفضاء العام. هذا الجهد في التفاوض مع المكان وإعادة تشكيله وظيفياً يمثل عملاً بنيوياً مخفياً لا يُلتفت إليه، لكنه يعكس حقيقة أن المدينة تُستدام وظيفياً عبر تكتيكات البقاء والمقاومة والمرونة التي تمارسها جميع الأجساد المختلفة عن المعايير المكانية المفترضة مسبقاً[12].

تتجلى في تجارب أمهات جبل النظيف صورة حية لما يمكن تسميته البنية التحتية التكافلية التي تنشأ في الفجوات التي خلَّفَها التخطيط الرسمي؛ حيث يتحول فعل الرعاية من شأن خاص إلى فعل سياسي ومقاومة مكانية يومية. إن قيام الأمهات بتطويع المساحات الدينية والتجارية واختراق وظائفها التقليدية يمثل إعادة إنتاج للمدينة، وهو جهد بنيوي غير مرئي يرمم تصدعات العدالة المكانية. ومع ذلك، فإن هذه المرونة تظل سلاحاً ذي حدّين؛ فهي بقدر ما تعكس براعة النساء في التفاوض مع المكان، إلا أنها تكشف عن عمق الهشاشة التي تحكم وجودهن في الفضاء العام. إن اضطرار البعض للانسحاب والعودة إلى حيز المنزل يعكس فشل المدينة في استيعاب الأجساد التي لا تتوافق مع المعيار الوظيفي الصارم، ويؤكد أن استدامة الحياة الحضرية في عمان لا تزال تعتمد، وبشكل غير عادل، على تكتيكات البقاء الفردية والجهد المضني للأجساد المهمشة تخطيطياً، بدلاً من استراتيجيات شاملة تضمن الحق في المدينة للجميع.

في عمان،  كما في غيرها من المدن التي تسيطر عليها سياسات التحضر الرأسمالي، يتضح كيف تحوّل استقامة المدينة إلى آلية تنتج وتكرّس الطبقية الجندرية، حيث تختلف قدرة النساء على مواجهتها بحسب تقاطعات هوياتهن ولا سيما مستوى الدخل. فمع غياب البنية التحتية الداعمة، تتحول السيارة الخاصة إلى وحدة رعاية متنقلة: مساحة للرضاعة وللحماية وإدارة متطلبات الجسد والطفل، فتتعطل البنية المعادية للمدينة، ولو مؤقتاً، قبل أن تشتبك مع الجسد الأمومي وامتدادته. بالمقابل ، تفتقر النساء الأقل دخلاً إلى هذا الدرع، ويُجبرَنَ على امتصاص إخفاقات المدينة مباشرةً بأجسادهن، ليصبحن الوسيط الذي يعوض غياب الرعاية في التخطيط الحضري، فيتحول الحق في المدينة إلى سلعة تُشترى بالمال أو تدفع قيمتها جهداً بدنياً ونفسياً مضاعفاً.

تعكس تجربة سناء هذا الحال ففي تلك اللحظة، لم تكن مجرد مُستخدِمة للفضاء، بل تحولت إلى بنية تحتية غير مرئية؛ تحمل وتصعد وتجسّد بعملها ما فشلت المدينة في توفيره. الجهد الذي تصفه: ضيق النفس والتعرق والإرهاق هو عمل إضافي مفروض، يُعاد من خلاله توزيع كُلفة القصور الحضري على أجساد النساء، وبشكل غير متكافئ طبقياً.

يظهر عجز المدينة كبنية إقصائية تُنتج أشكالاً متراكبة من اللامساواة، وتترك آثارها على أجساد أولئك الذين لا يتلاءمون مع استقامتها، أو لا يمتلكون الامتداد التكنولوجي الذي يتيح الحركة داخلها، أو لا يتمتعون بالشرعية الاجتماعية اللازمة للتواجد في الفضاء العام. ويشمل ذلك الأمهات العازبات، إلى جانب من لا يستطيعون تحويل المسافة إلى رحلة مدفوعة، أو أولئك الذين يُشترط حضورهم في المجال العام بوجود علاقات أسرية أو زوجية معترف بها اجتماعيًا. هنا تصبح الأجساد موقعاً لتقاطع العنف المكاني مع اللامساواة الاقتصادية والتقاطعات الجندرية. ويتحول الفقر إلى عبء مُضاعف جسدياً وإدراكياً واجتماعياً، بينما تُدفع الأمهات العازبات بشكل خاص إلى إدارة يومياتهن ضمن شروط حضرية مُقيدة، تجعل من الرعاية عملاً مكثفاً يُؤدّى في مواجهة المدينة لا ضمن بنيتها الداعمة.

لا أستطيع قراءة المشهد الحضري في عمان بوصفه مجرد نتيجة تخطيطية تقنية، وإنما يمكن فهمه بوصفه ترتيباً سياسياً يحدد أي الأجساد تستحق أن تخدم، وأيها يطلب منها أن تخدم المدينة بصمت. فحين تصمّم الشوارع للتدفق، والتقاطعات للمشاهدة، والمساحات العامة للعبور السريع، تدفع أجساد الرعاية خاصة، و كل الأجساد التي تنحرف عن النموذج المعياري، إلى الهوامش ، حيث تتحمل عبء سد الفراغات التي يتركها التخطيط والذي لا يأخذ بالاعتبار الرعاية ويتعامى عنها.

في هذا الصدد، فإنني أفهم الرعاية بوصفها ممارسة يومية غير مؤسسية، تتجاوز الفضاءات الرسمية كالمؤسسات التعليمية والحضانات، لتتجسّد في لحظات عابرة وضرورية كتهدئة طفل أو حمله أو إطعامه أو التوقف المفاجئ لتلبية حاجاته أو حاجات من يرعاه. كما أمدّ هذا الفهم ليشمل أنماط حركة لا تقوم على الفرد المستقل، وإنما على أجساد علائقية تتحرك كوحدات مترابطة، حيث يصبح التوقف حقاً مشروعاً، وتغدو الحركة المتباطئة هي الحالة الطبيعية، لا الاستثناء. هذا الفهم يضعنا في حالة اعتراف بالرعاية و أجسادها كأساس للحياة الحضرية، و يجعلنا ، كمختصين\ات و كساكنين\ات في المدينة، نرفض التعامل معها كاختلال يجب احتواؤه أو إخفاؤه، و هذا أيضاً يدفع بنا لنناهض نماذج التخطيط الحضري الرأسمالي التي تضع الإنتاجية والتدفق كقيمة أعلى من قيمة الاستمرارية الاجتماعية وإعادة الإنتاج. و عليه يصبح من الضروري مساءلة السياسات الحضرية التي تركز على التجميل البصري أو تسهيل الحركة المرورية، دون الالتفات إلى البُنى التي تدعم الحياة اليومية، فالمطلوب هو إعادة تصور المدينة انطلاقاً من الرعاية كوحدة أساسية للتخطيط، لا كهامش يحاول التكيّف مع شروط مفروضة عليه.

و عليه يمكنني تخيل المدينة المُبصرة للرعاية بكونها كائناً حياً يمارس أخلاقيات الرعاية، و يُسقِط ويفكك أسطورة الحياد، هي مدينة ترفض اعتبار غرف الرضاعة أو الحمامات العامة أو المقاعد المريحة أو الأرصفة الانسيابية مجرد كماليات، فترفعها إلى مصاف البنية التحتية السيادية كالكهرباء والماء، معتبرةً أن أي عرقلة لحركة الأم أو مقدم\ة الرعاية هي عنف بنيوي يستوجب الإصلاح.

المدينة المراعية للرعاية هي مدينة تُصمَّم من خلال عدسة تقاطعية تكسر احتكار الأمان والسلامة ضمن فضاءات تطلب امتيازات اقتصادية واجتماعية، لتعيده إلى الشارع والمساحة العامة كحق أصيل للجميع، محولةً الفضاء الحضري من ساحة لاستنزاف الجهد النفسي والجسدي لتعويض نقص الخدمات، إلى رئة اجتماعية تتنفس بالدعم المؤسسي، حيث يغدو التصميم المعماري حليفاً يومياً يحرس كرامة الجسد ويحتفي باستمرارية الحياة في كل زاوية،  وبذلك فهي مدينة لا تُجبر الأمهات على الانحناء، بل تعيد تشكيل نفسها حول احتياجاتهنّ .

في نهاية المطاف، يقف الخيال هنا كفعل مقاومة جذري يعيد رسم حدود الممكن في فضاءاتنا الصارمة، إن ما بسطتُه أعلاه ليس إلا تمثلاً لخيالي الخاص، المتشكل من خلال موقعي كعاملة في هذا المجال تدرك فجوات الواقع وتطلعات التغيير؛ ومع ذلك، أجدني ملزمة بوقفة نقدية أعترف فيها بحدود الامتياز المعرفي الذي أتحرك من خلاله. فالمدينة الحقة، المبصرة حقاً، لا تكتمل بلمحة من قلم واحد، بل هي مشروع تشاركي يتطلب استحضار أصوات المهمشات والمهمشين ودمج تجارب كل أطياف المجتمع في نسيجها؛ إنها ضرورة أخلاقية تقتضي ألا تُصمم المدينة لأجلهم\ن في غيابهم\ن، بل أن تولد من رحم تقاطعاتهم\ن اليومية وصراعاتهم\ن الصامتة، لتكون مرآةً جماعية لكرامة الجميع.

[1] في هذا النص يُعرف الجسد العلائقي بأنه كيان مكاني مركب يعمل كموضوع أساسي للرعاية داخل البيئة الحضرية. ويتجاوز هذا المفهوم النظرة التقليدية للأمومة كحالة فردية معزولة، ليعيد صياغتها كحالة مترابطة ومتكاملة تؤكد على طبيعة الرعاية التشاركية.

يتكون هذا الجسد من عدة عناصر متداخلة تشمل جسد مقدم الرعاية (الأم)، والطفل، والامتدادات المادية المصاحبة لهما مثل عربات الأطفال، أو حمالات الأطفال، أو أي أدوات مساعدة على الحركة. وبخلاف الذات المستقلة وغير المقيدة التي يفترضها التخطيط العمراني التقليدي، فإن الجسد العلائقي هو كيان مقيد بطبعه، وله متطلبات مكانية (من حيث الحجم والمساحة) وإيقاعات زمنية خاصة غالباً ما يتم تجاهلها في التصميم المعياري للمدن.

[2] الظاهراتية أو الفينومينولوجيا هي مدرسة فلسفة تعتمد على دراسة الموضوعية أو الواقع كما يعاش ويختبر بشكل ذاتي.

[3]  Ahmed, S. (2007). Queer phenomenology: Orientations, objects, others (2. printing). Duke University Press.

[4]  Akmeel, L., Abu-Shamah, H., Ahmad, H., Hu, Y., & Zhang, Y. (2025). Intersecting Landscapes of Exclusion: Mothers’ Perceptions and Spatial Tactics in the Public Spaces of Amman Downtown. Sustainability, 17(4), Article 4. https://doi.org/10.3390/su17041424

[5]  اسم مستعار، أجريت المقابلة في الفترة (9-11 \2023 )

[6] اسم مستعار، أجريت جميع المقابلات في الفترة (9-11 \2023 )، مع سبعة و عشرين أم متنوعات في الطبقة الاجتماعية و الاقتصادية و عدد الاطفال و أماكن السكن ، و طبيعة علاقتهن مع المدينة ، تم الحصول على موافقة شفوية من جميع المشاركات و موافقة موقعة ورقياً من اخريات استطعت لقاءهم وجهاً لوجه في عمان

[7] Qudah, N. (2024). Moving along, stopping at: The gendering of the public spaces in Al Wehdat Camp in Amman, Jordan. Gender & Development. (world). https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13552074.2024.2348400

[8]  Akmeel, L., Zhang, Y., & Hu, Y. (2026). Caregiving in the city: An intersectional study of mothers’ perceptions of public space in Amman, Jordan. Cities, 169, 106574. https://doi.org/10.1016/j.cities.2025.106574

[9] Qudah, N. (2024). Moving along, stopping at: The gendering of the public spaces in Al Wehdat Camp in Amman, Jordan. Gender & Development. (world). https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/13552074.2024.2348400

[10] Phadke, Shilpa (2013). Unfriendly bodies, hostile cities: Reflections on loitering and gendered public space, Economic and Political Weekly 48(39): 50–59.

[11] اسم مستعار، أجريت المقابلة بين 9/11-2023)

[12] Akmeel, L., Abu-Shamah, H., Ahmad, H., Hu, Y., & Zhang, Y. (2025). Intersecting Landscapes of Exclusion: Mothers’ Perceptions and Spatial Tactics in the Public Spaces of Amman Downtown. Sustainability, 17(4), Article 4. https://doi.org/10.3390/su17041424


شارك هذا المنشور