تخطي للذهاب إلى المحتوى

«تمكين المرأة» .. حتى تتمكن الأنظمة القائمة من استغلالك أكثر عزيزتي.

26 مايو 2026 بواسطة
مريم البرعي - Maryam Al-Barai

تابعنا خلال الأسابيع الماضية مشاركة كريم حسن في إحدى المؤتمرات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة بصفته المدير التنفيذي لمركز الإسكوا بالأردن، وذلك رغم كونه متهمًا بقتل زوجته آية عادل التي أثبتت تقارير الطب الشرعي تعرضها لعنف جسدي قبل وفاتها داخل مسكنهما في الأردن، ويأتي هذا الظهور بعد أن قضى المتهم مدة حبس بلغت عامًا واحدًا على خلفية جريمة الإيذاء الجسدي، في حين برّأه القضاء الأردني من تهمة قتل زوجته لعدم كفاية الأدلة.

تجسّد هذه المشاركة أحد أوجه التناقض البنيوي المتجذر في المنظمات الأممية، التي ترفع شعارات «تمكين المرأة» وحمايتها من العنف، في الوقت الذي تسهم فيه ممارساتها المؤسسية في تمكين معنِفٍ متهمٍ بالقتل، عبر منحه المساحات والمنابر وتعزيز إفلاته من المساءلة وإعادة إدماجه في المجتمع، الأمر الذي يستدعي الحاجة إلى مساءلة جذرية للخطاب واللغة التي تتبناها هذه المنظمات لكشف الفجوة بين ادعاءاتها وممارساتها الفعلية.

أطرح في هذا المقال الإشكاليات الموجودة في خطاب «تمكين المرأة» وخصوصًا الصادر عن المنظمات الأممية، والذي تتبناه الجهات الحكومية أيضًا، مع العلم أن نقد الخطاب الأممي ليس محاولة لتخوين أو نسف جهود المجموعات النسوية المحلية التي تستخدم الموارد المتاحة من أجل تحسين حيوات النساء، بل سعيًا إلى تفكيك وفهم ما ينطوي عليه هذا الخطاب من تاريخ وسلطة بهدف إعادة تقييم لقدرته الفعلية على إحداث تغيير جذري في مجتمعاتنا ولفتح مجال للمساءلة والتعلّم والبناء داخل الحراك النسوي، بما يفضي إلى تطوير خطاب يؤطّر لممارسات أكثر جذرية وعدالة. إن تفكيك الخطاب لا يأتي من باب الترف اللغوي بل إدراكًا بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل فضاء تُنتج فيه المعاني ويُعاد من خلالها صياغة الممارسات والعلاقات الاجتماعية والواقع ككل. 

قليلًا ما يُذكر مصطلح «التمكين» منفردًا دون أن يقترن بـ«المرأة»، ويكشف هذا الحصر عن إحدى إشكالياته إذ يوحي بأن التمكين ليس أداة لمقاومة الأنظمة القائمة بل وصفًا لحالة يُفترض أنها تخص النساء تحديدًا.  فالرجال، رغم امتيازاتهم الجندرية، يبقون عرضة لعنف رجال آخرين أو للعنف البنيوي للفقر أو لعنف الاستعمار أو العنف المؤسسي للعسكرة، ويمكن العمل على «تمكين الرجال» أيضًا، لكن هذا الحصر يكشف عن افتراض ضمني بأن الرجال هم الأصل المعياري الذي تتوجه إليه البرامج والسياسات العامة بشكل تلقائي، أما النساء فيُدرجن ضمن أهداف أو برامج ملحقة تحمل اسمهن صراحة، فمثلًا تصاغ عبارة «تطوير العمل الزراعي النسائي» في حين لا نسمع عن «تطوير العمل الزراعي الرجالي»، لأن الرجال هم المستهدفون ضمنيًا ضمن برامج «تطوير العمل الزراعي» بشكل عام. 

ولا يعكس ذلك تمييزًا لغويًا فحسب بل يتجسد في ممارسات فعلية غير حساسة جندريًا تكون مصممة بما يتوافق مع أوضاع الرجال ضمن كثيرٍ من البرامج والسياسات العامة. على سبيل المثال، تصمم برامج دعم المشاريع الصغيرة عبر اشتراط الملكية الرسمية أو السندات البنكية، ويُقدَّم هذا بوصفه شرطًا ماليًا على الجميع،  لكنه يتجاهل واقعًا وتاريخًا طويلًا من إقصاء النساء عن الملكية وتسجيل الأصول بأسمائهن، وبهذا تعيد المنظمات إنتاج الشروط البنيوية التي تقصي النساء بينما تروّج لجهودها في «تمكينهن».

كما أن استخدام كلمة «المرأة» عوضًا عن «النساء» يوحى بأن النساء وحدة واحدة مكررة بصفات معيارية محددة سلفًا، وذلك ما هو إلا تنميط تعيد إنتاجه المنظمات الأممية وسياساتها التنموية نفسها، فلا يمكن تمكين جميع النساء بنفس الطريقة بغضّ النظر عن اختلاف شخصياتهن وخلفياتهن الثقافية ووضعهن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولا عجب أن أغلب النساء «الممكَّنات» اللاتي يتم استخدامهن للترويج لهذه الآليات هن في الأصل نساء لديهنّ وصول للحد الأدنى من الموارد قبل عملية «تمكينهن»، كوصول إعلان برنامج التمكين لهنّ وكالقدرة على مغادرة منازلهن والتنقّل لحضور أنشطة البرنامج، وبهذا يصبح «التمكين» امتيازًا يُعاد توزيعه على فئة محددة من النساء، بدل أن يكون عملية شاملة تُزيل الحواجز البنيوية التي تواجه الغالبية منهن.

إن الخطاب الرسمي «للتمكين» يروج لزيادة الثقة بالنفس واستثمار القدرات المهدرة كآليات لمواجهة التحديات التي تواجهها النساء، بدلًا من تطوير آليات أكثر جذرية لتقويض البُنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج العنف والتمييز، لذلك كثيرًا ما نجد ضمن هذا الخطاب عبارات مثل «أنت تستطيعين» و«أنت قوية» و« أنت قادرة». يتجسد هذا التسخيف والاختزال في تعريف منظمة العمل الدولية لتمكين المرأة بأنه «تعزيز شعور المرأة بقيمتها الذاتية وقدرتها على تحديد خياراتها وحقها في التأثير على التغيير الاجتماعي لنفسها وللآخرين»، وهكذا يُعاد تعريف الصراع بوصفه مسألة وعي فردي ومهارات شخصية، لا مسألة علاقات قوة وبُنى تحتكر الموارد والسلطة.

إن هذه الجهود تعكس ما تسميه الباحثات بـ «النسوية النيوليبرالية»[1]، حيث يُختزل التمكين في قصص نجاح فردية، تقيس قيمة المرأة بمدى اندماجها في السوق الرأسمالي الذي تُحتكر فيه الثروات والموارد[2]، وتتجاهل جذور المشكلة كالنظام الأبوي والعنف البنيوي. بهذا المعنى، يصبح الخطاب حول «التمكين» أقرب إلى مشروع لإعادة إنتاج النخب النسائية وتحسين موقع بعض النساء ضمن هياكل السلطة القائمة، بدل أن يكون أداة لمقاومة احتكار السلطة والموارد وإعادة توزيعهما. 

ويمكن اختبار هشاشة هذا المنطق بالنظر إلى موقع الرجال أنفسهم داخل البنية الاقتصادية والسياسية. فالرجل، الذي يحتل موقعًا رمزيًا مرتفعًا داخل النظام الأبوي، لا يملك بالضرورة قدرة فعلية على إحداث «تغيير اجتماعي لنفسه وللأخرين»؛ إذ يخضع أيضًا لبُنى سياسية واقتصادية مهيمنة تحدّ من قدرته على الفعل السياسي أو تحسين موقعه الاقتصادي. ومن ثمّ، لا يكمن الإشكال في «تمكين الرجل» أو في نقص «شعوره بقيمته الذاتية»، بل في طبيعة الأنظمة الاقتصادية السياسية الاجتماعية التي تحتكر الموارد والقرار وتنزع من الأفراد إمكانات التغيير الفعلي. 

نجد نفس الإشكالية في مصطلح التمكين الاجتماعي، حيث يعرفه مسرد المصطلحات للأمم المتحدة[3] بأنه «عملية تنمية الشعور بالاستقلالية والثقة بالنفس، والعمل بشكل فردي وجماعي لتغيير العلاقات الاجتماعية والمؤسسات والخطابات التي تُقصي الفقراء وتُبقيهم في فقر»، وهنا يتضح قدرة هذه المصطلحات على تزييف الواقع واختزاله، فالتركيز على «الشعور الداخلي» غير أنه ينزع الطابع البنيوي عن العنف، إلا إنه يزيح المسؤولية بعيدًا عن المؤسسات والخطابات التي تُبقي الناس في هشاشة مستمرة.  وبهذا يُنزَع الطابع السياسي عن قضايا النساء، ويتحوّل النضال من مساءلة الأنظمة القمعية إلى مهمة فردية تقع على عاتق النساء أنفسهن، ويتضح هذا التناقض عند النظر إلى سياسات التنمية التي تُروَّج بوصفها داعمة للتمكين ولرفاهة الشعوب، بينما تنتج فعليًا دوائر إفقار أكثر تعقيدًا.

فمثلًا في مصر وخصوصًا بعد ٢٠١٦، دخلت الدولة في برنامج «إصلاح اقتصادي» واسع بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ورافق ذلك خطاب رسمي حول «تعزيز الموارد العامة وتشجيع النمو وإصلاح قطاع الطاقة ونظام الدعم وإصلاح سوق العمل لخلق الوظائف وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل». لكن على مستوى الإجراءات الملموسة، حُرر سعر الصرف مما أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية مما رفع تكلفة الاستيراد وبالتالي أسعار السلع الأساسية مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات بشكل هائل، بالإضافة إلى تقلص الدعم عن الوقود والكهرباء والخبز تدريجيًا مما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه الخدمات مقابل أجور شبه ثابتة. فهنا نجد أن النتيجة لم تكن ما ادعاه الخطاب الرسمي للبنك الدولي بقدر ما كانت إعادة إفقار وتعميق لمستوى الهشاشة لدى الطبقات العاملة والفقيرة، الأمر الذي يؤثر خصوصًا على النساء والعاملات في الاقتصاد غير المنظم وسكان المناطق الريفية والعشوائية.

أما بالنسبة للتمكين السياسي[4] فيختزله المسرد بأنه «المساواة في التمثيل داخل المؤسسات السياسية»، مع أن زيادة التمثيل لا تضمن بالضرورة رفع الظلم السياسي الواقع على النساء، ولا الرجال. فالتمثيل وحده، مثل الكوتا، لا يعالج جوهر الظلم السياسي ولا يغيّر الديناميات التي تحافظ على التهميش والحرمان كما نرى في كثير من الدول التي تحاول تطبيق ورفع نسبة الكوتا النسائية وما هو إلا محاولات لإدخال المزيد من النساء إلى المؤسسات الرسمية التابعة لأنظمة سياسية فاسدة تختزل السلطة إلى عدد من المقاعد والمناصب، وسواءً كان هذا المقعد أو المنصب يشغله رجل أم امرأة، فإنه سيخدم مصالح النخب السياسية الحاكمة ويعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية، لذا يصبح التمكين السياسي للنساء وسيلة شكلية أكثر منها أداة للتغيير البنيوي، إذ تُسوَّق كمكسب للنساء، بينما تبقى البُنى والهياكل التي تضمن استمرار القمع والتهميش على حالها. إن أي نهج حقيقي للتمكين السياسي يحتاج إلى تجاوز حدود التمثيل الشكلية، ومساءلة المؤسسات نفسها وهياكل السلطة التي تتحكم في صنع القرار وتفرض شروطًا اقتصادية واجتماعية وسياسية تعيد إنتاج الظلم وتحافظ عليه كواقع معاش.

أما اقتصاديًا، فيُعرّفه المسرد[5] بأنه «التمتع الكامل والمتكافئ من قبل النساء والرجال بحقوقهم واستحقاقاتهم الاقتصادية من خلال سياسات وأطر مؤسسية داعمة». يطرح هذا التعريف سؤالًا جوهريًا: إذا كان التمكين الاقتصادي مرتبطًا بالسياسات والأطر المؤسسية، فلماذا لا تُوجَّه الجهود بشكل فعال وحقيقي نحو تغيير تلك البُنى التي تعيد إنتاج الظلم الاقتصادي بدل الاكتفاء بإدماج النساء داخلها؟ فرغم اعتبار التمكين الاقتصادي حجر الأساس في مسار تمكين المرأة، تنحصر معظم برامج التنمية في مبادرات تستثمر في قدرات النساء ضمن السوق القائم دون مساءلة علاقات السلطة التي تنظم هذا السوق. وهكذا يتحول «التمكين» إلى أداة لدمج النساء في نموذج رأسمالي نيوليبرالي يُسوَّق باعتباره اقتصادًا ذكيًا واستثمارًا مربحًا، حيث تُقدَّم النساء بوصفهن قوة إنتاجية قادرة على تحفيز النمو، لا باعتبارهن صاحبات حقوق وعدالة اجتماعية ويختزلهن هذا الخطاب في ثنائية سطحية: إمّا «بطلات» قادرات على تحقيق النجاحات رغم المعيقات، أو «ضحايا» مستضعفات بحاجة إلى إنقاذ وتمكين، هذه الثنائية تخدم خطابًا سطحيًا يكرس الصور النمطية بدل أن يفتح المجال لفهم أعمق لتجارب النساء المتنوعة والمعقدة والتي لا يمكن حصرها في أدوار بطولية أو مأساوية فقط.

في هذا السياق، تُقاس النجاحات بعدد الحضور والمؤشرات الرقمية دون أي تحليل نقدي حقيقي للأثر الفعلي لهذه البرامج على المدى البعيد في تحسين أوضاع النساء، وتغيب معالجة القيود البنيوية التي تحد من استقلالهن، كضعف الحماية الاجتماعية واستمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، وغياب الاعتراف بالعمل الرعائي غير مدفوع الأجر الذي يشكل ركيزة هذا النظام الاقتصادي لكن تغيب معالجته ضمن هذا الخطاب، بذلك يصبح التمكين الاقتصادي وسيلة لتعزيز استدامة البنية القائمة لا لتغييرها.

يتجلّى هذا الاستغلال بوضوح في الصعود الملحوظ للتمويل الأصغر بوصفه تدخلًا إنمائيًا رئيسيًا للتمكين الاقتصادي للمرأة. فعلى مدى العقدين الماضيين، سُوِّق هذا النموذج باعتباره مدخلًا مباشرًا لاستقلال النساء اقتصاديًا عبر «بدء مشروع» أو «تعزيز الدخل». لكن تحقيقات ميدانية، منها تحقيق[6] نشره موقع حبر تحت عنوان «التمكين المتوحش: كيف أنهكت القروض الصغيرة حياة النساء وعائلاتهن» كشف واقعًا مختلفًا؛ إذ انتهى عدد كبير من النساء، خصوصًا في مناطق مثل غور الصافي في الأردن، إلى دوائر مديونية معقّدة بدل تحقيق استقلال اقتصادي. فنادرًا ما تكفي القروض الصغيرة لتوليد دخل مستدام يُحسّن مستوى المعيشة على نحو ملموس بل لسدّ الاحتياجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن في ظل تراجع الحماية الاجتماعية أو لسداد ديون سابقة لتجنب التعرض لمساءلة قانونية، ما أفرغ القرض من وظيفته التنموية المفترضة وحوّله إلى آلية لتعميق الأزمات المالية لا معالجتها.

ولا يقتصر الإشكال على محدودية أثر القروض وتعميقها للهشاشة فحسب، بل يتصل كذلك بالبنية التي تنظّم استخدامها والتحكم بها. فالسيطرة الفعلية على قروض النساء تكون في أحيان كثيرة بيد الأقارب الذكور[7]، بينما يُؤنَّث الدَّين ذاته؛ أي تبقى النساء مسؤولات قانونيًا واجتماعيًا عن السداد. وفي الحالة الأردنية، أدى ذلك إلى تصنيف بعض النساء كـ«غارمات» وما يستتبعه من ضغوط قانونية واجتماعية قاسية. بالإضافة إلى استبعاد أفقر النساء[8] أصلًا من الائتمان بسبب شروط الضمان والقدرة على السداد. وهكذا، بدل أن يكون التمويل الأصغر أداة لتفكيك الفقر، تحوّل في حالات عديدة إلى آلية لإعادة الإفقار عبر توسيع الائتمان دون مساس بالبُنى الاقتصادية التي تُبقي النساء في الهشاشة من الأساس.

ولا يقتصر الإشكال في هذا الخطاب على تحييد الجهود، بل يمتد إلى مساندة الأنظمة القائمة في سياقات عديدة، إذ يُستَخدم شعار «تمكين المرأة» لتلميعها وإقناع النساء بإمكانية التكيف داخلها. فالنساء اللواتي يُقدَّمن كنماذج للنجاح يتحولن إلى شواهد رمزية على عدالة مزعومة، بينما تظل البُنى القمعية والعنف المؤسسي وسياسات الإفقار والتمييز قائمة بلا مساس.

إن إنهاء أشكال الظلم التي تتعرض لها النساء لا يمكن أن يتحقق ضمن هذا الإطار، بل عبر آليات تقوض السلطة التي تقوم على استغلال أجساد النساء وفئات الهامش وتعيد إنتاج قهرهن يوميًا. فخطاب «التمكين» لا يُحسّن أوضاع الغالبية ولا يفتح أفقًا أكثر عدالة، بل يمنح شرعية للبُنى ذاتها من خلال إبراز تكيف قلةٍ من النساء داخلها، في حين تُترك الأخريات عرضة للعنف المنهجي. كما يُعيد إنتاج علاقات الهيمنة بين من يحتكر السلطة ومن يفتقر لها، وهي المشكلة نفسها المتمثلة في علاقات القوة التي أوجدها وأبقاها على قيد الحياة جهاز التنمية الدولي نفسه، الذي يعتبر بلدان الشمال العالمي «مانحين» وبلدان الجنوب العالمي «متلقين»، ويغض الطرف عن أن التاريخ الطويل لاستعمار بلدان الجنوب العالمي من قبل بلدان الشمال ونهب ثرواتهم وإبادة حضاراتهم وإدامة التبعية الاقتصادية هي إحدى الأسباب التي شكّلت أساس تدهور أوضاع بلدان الجنوب حتى اليوم.

ومن هنا، فإن أي جهد يسعى إلى إحداث تغيير فعلي ينبغي أن يتجه نحو تفكيك البُنى، لا الاكتفاء بتحسين مواقع فردية داخلها. ويتحقق ذلك عبر طرق مختلفة من بينها  استدامة المقاومة وتنوعها على المستوى الفردي اليومي والجماعي التراكمي، وبمساءلة الفاعلين والفاعلات داخل هذه الأنظمة على أدوارهمن في إعادة إنتاج التمييز والعنف. فحين تُوجَّه أدوات المساءلة والمحاسبة إلى الرجال الذين يمارسون أو يبررون العنف داخل النظام الأبوي، فإن ذلك يحدّ من قدرتهم على الاستمرار ويُربك آليات التطبيع مع هذه الممارسات.

وكما أشار فرانز فانون إلى أن البُنى القمعية لا تتخلى عن امتيازاتها طوعًا، بل حين تواجه ضغطًا حقيقيًا يهدد استمراريتها، فإن تراجع الأنظمة القائمة يرتبط بوجود مقاومة ذكية مستمرة، لا بالاكتفاء بالتكيف مع البنى أو محاولة التقدم داخل هياكلها القائمة. ورغم أن أثر هذه المقاومة قد يبدو بطيئًا أو غير مرئي على المدى القصير، إلا أن تراكمها التاريخي يظل أحد أهم المسارات الممكنة نحو إضعاف أنظمة الهيمنة وفتح أفقٍ جديدة لواقع أكثر عدالة.


[1] النسوية النيوليبرالية هي اتجاه يربط تحرّر المرأة بمنطق النيوليبرالية؛ أي السوق الحر والفردانية والمسؤولية الفردية، بدل التركيز على البُنى الاجتماعية والاقتصادية غير العادلة. 

[2] يمتلك ١٪ من البشر ٥٠٪ من الثروات في العالم بينما يمتلك ٥٠٪ من الشعوب أقل من ١٪ من الثروات.

[3] https://unterm.un.org/unterm2/en/view/94976d40-a282-4fa8-9f56-1dc3a6a3dcbd

[4] https://unterm.un.org/unterm2/en/view/c2bd77f9-c766-4945-a1ef-2f47f2b735cb

[5] https://www.unescwa.org/ar/sd-glossary/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9 

[6]https://www.7iber.com/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86

[7] Shohel, T. A., Niner, S., & Gunawardana, S. J. (2023). ‘Even Though I Get a Loan, My Husband Controls It’: Rhetoric Versus Reality of Empowering Bangladeshi Women Through Microfinance Programs. European Journal of Development Research, 35(4), 794-819. https://doi.org/10.1057/s41287-022-00539-9

[8] Nawaz, F. (2023). Does Microfinance Address Women’s Strategic Gender Needs? Experience from Empirical Research. Advances in Women’s Studies, 5(2), 38-43. https://doi.org/10.5152/atakad.2023.23033

شارك هذا المنشور