تردّدت قبل كتابة هذا المقال عن الصحة النفسية للنساء في مرحلة انقطاع الطمث. فبعد سنتين من العمل على تحليل جندري لقطاع الصحة العقلية والنفسية في تونس، وجدت نفسي عاجزة أمام الخلل البنيوي في تعاطي المنظومة الصحية مع معاناة النساء. تزامن هذا مع إصابة والدتي بسرطان الثدي ودخولها متاهة العلاج في ظلّ أزمة انقطاع الأدوية في تونس، لتتضاعف آلامها مع مرحلة انقطاع الطمث والعلاج الهرموني البديل. حيّرتنا أسئلة كثيرة، أنا ووالدتي معا. فهي التي علّمتني الاهتمام بموضوع الصحة وقلقت عليّ دائما، اليوم نشترك في القلق من غياب رعاية شاملة تراعي الأبعاد النفسية والعاطفية وتُحيط المريضة بالمرافقة اللازمة في هذه المرحلة. توقّفت عن البحث واهتممتُ أكثر بالتجربة النفسية والعاطفية للنساء وتفكيك أبعادها. صرتُ أرى من حولي معاناة النساء في أروقة المستشفيات وفي عيادات الأطباء… أمر لا يُحتمل. أما معاناتهن النفسية والعاطفية، فما زال مسكوتًا عنها.
التجربة النفسية والعاطفية: ما تفشل المنظومة الصحية في رؤيته واحتوائه
خلال محاورتي لعدد من النساء في هذه المرحلة العمرية، أثار اهتمامي تنوّع التجربة العاطفية والنفسية في مرحلة انقطاع الطمث وتأثيرها الكبير على جودة حياتهن. فإلى جانب التعب الجسدي والإرهاق النفسي واضطرابات الهرمونات وبعض الأعراض الفيزيولوجية والنفسية المتكرّرة التي لم تتمكّن الشهادات الحيّة من وصفها بدقة، يأتي عدم التصديق. "تحمّلي، هذا جزء من الحياة" هذا ما قيل للنساء اللواتي حاورتهن. لكن، كيف ترى النساء هذا "الجزء من الحياة"؟
أحاول طوال الأسبوع الوصول إلى شهادات حية، يباغتني الأمر وأنا في بيت صديقتي الفنانة سارة (43 سنة، العراق، متزوجة) وهي تعد الطعام العراقي، نتحدّث عن الفن، تخبرني أن أعمالها الفنية هي أطفالها عندما باغتتها هبة حرارة قطعت تركيزها لبضع دقائق. أشحتُ بوجهي حتى لا تشعر أنني أراقبها لكنني عدت للتفكير في المقال، "شايفة هبات الحرارة؟ بتصير مزعجة كثير مرات، أعاني من تقلبات المزاج وبصير عصبية بدون سبب يجيني هلع أو بكاء مفاجئ. ممكن بسبب مشاكل النوم، نوم بلا استرخاء". تُريني الزهرة المرسومة على علبة الدواء "هذا علاج طبيعي، ما أحب آخذ أدوية. هذه مرحلة مختلفة ولازم نستوعبها. شعرت بالضياع فترة خصوصا مع فقدان إمكانية الإنجاب لكن فنّي يساعدني. ربما ما كان مقدّر أكون أمّ بل أنو أنجح كفنانة."
كانت سارة تحاول الإنجاب بعد سنوات قضتها مع زوجها في البحث عن الأمان والهروب من الحرب ثم اللجوء إلى أقصى الشمال الأوروبي. تقول "العلاج المكثّف سرّع انقطاع الطمث"، لم تكُن سارة على دراية كافية بتأثيرات العلاج على صحتها الإنجابية ولا بطبيعة الأعراض التي بدأت تظهر فجأة مسبّبة لها شعورًا بعدم الراحة. بابتسامة حزينة "لستُ نادمة على عدم الإنجاب لكن ضغط الأمومة يلاحقك خاصة في مجتمعات مثل مجتمعاتنا"، ثم تسترسل "أنا من العراق، لو سألتني عن نظرتي الشخصية بعيدا عن العرف، أعتقد كل مراحل حياتنا مليئة بالضغط من المراهقة حتى انقطاع الطمث، الزواج نفسه يخضع لإملاءات المجتمع".
يمكن تبسيط تفسير مرحلة انقطاع الطمث بأنها المرحلة التي يتوقّف فيها المبيضان عن إنتاج البويضات، مما يؤدّي إلى توقّف الدورة الشهرية. تولد النساء عادةً بعدد كبير من البويضات يتراوح بين مليون ومليوني بويضة، إلا أنّ معظمها يضمر تدريجيًا طوال فترة الخصوبة إلى غاية مرحلة انقطاع الطمث التي تمتد عادة بين سنّ الخامسة والأربعين والخامسة والخمسين[1]. تساهم بعض العوامل في تسريع أو إنهاء هذه العملية مثل العلاج الكيميائي أو تناول بعض الأدوية لفترات طويلة. كلما تعمّقت في قراءة بعض المراجع حول الموضوع، أصبحُ أكثر إدراكا لصعوبة فهم وحصر الأعراض. أثناء محاولتي تبسيطها خلال تمرين تجريبي، تخيّلت نفسي أصف الأمر لمجموعة فتيات: أعراض انقطاع الطمث هي عكس ما يحدث في أجساد النساء خلال البلوغ، إذ إن الهرمونات تخفّ وتغادر تدريجيا.
"ربما تكون مرحلة ما قبل انقطاع الطمث هي التحوّل الصحي الأكثر سوء فهم في التاريخ"، لفتني هذا العنوان وأنا أتصفّح تقرير عن حالة انقطاع الطمث لسنة 2025[2]. يشير التقرير الذي شمل استطلاعا لأكثر من 2000 امرأة تتراوح أعمارهن بين 40 و64 عاما في الولايات المتحدة، أن 71% من النساء لم يكنّ مستعدات لشدة الأعراض، و59% لم يعرفن عن مرحلة انقطاع الطمث إلا عندما بدأن يعانين منها بالفعل وأن واحدة من كل ثلاث نساء لا تشعر بالثقة في قدرتها على الدفاع عن نفسها في بيئة الرعاية الصحية.
هذا ما أكدته مريم (60 سنة، الأردن، أرملة، أم لثلاثة، متقاعدة) وهي تشير إلى سوء الفهم والتخوّفات من التغيّرات الجسدية. كما أشارت لمحاولة النساء إيجاد الحلول للتعامل مع التجربة ومحاولة التأقلم، تقول "بدأت أعراض انقطاع الطمث عندي في سن الثالثة والخمسين واستمرت لأكثر من سنة، هبات ساخنة وصداع أثّرا على نفسيتي وتعاملاتي، مما سبّب عدم استقرار وبالتالي يتأثر سلوكي مع المحيط، لم أكن أتكلم عنها، لكن التقاعد سمح لي بمساحة لنفسي، فأنا أحب الورد والدمى وصنع أشياء بيدي والمشي". يساعد اطلاع النساء على المعلومات التي تساعدهن على فهم أجسادهن في التعامل مع التغيرات واحتواءها وهو الذي أكدته كل الشهادات، "أنا أقرأ وهذا ساعدني كثيرا، لذلك أتناول الفيتامينات الطبيعية لمعالجة هبوط الأستروجين في الجسم".
كانت المقابلة مع والدتي (56 سنة، تونس، متزوجة، أم لأربعة، ربّة بيت) الأكثر صعوبة، أنهيتُ جميع المقابلات ثم فتحت معها الموضوع بصراحة حول الكتابة عن تجربتها ومشاركتها، "لطالما كانت دورتي قصيرة ومنتظمة ثم توقّفت عند الخامسة والخمسين، مررت في الوقت نفسه بتجربة مرضية كبيرة غطّت على كل شيء. مثلا، لم أمرّ بالهبات الساخنة ولا أي من الأعراض الشائعة التي أسمع عنها من النساء، منحني انقطاع الطمث المتأخر شعورا بالرضا الداخلي وكأنني ما زلتُ صغيرة. كما أن علاقتي مع شريكي لم تتغير، الشريك مهم جدا في هذه المرحلة سواء كان زوج، أخت، صديقة… بالنسبة لي الأسوأ كان المرض".
حين سألتها "ماذا عن الأطباء والإطار الطبي؟ كيف كان تعاملهم في هذه المرحلة؟"، حاولت والدتي تمالك غضبها وهي تخربش على الورقة أمامها لتجيب "بهامة… تغافل، وبلادة، وسقوطية، وكل شيء… وعدم اكتراث". تطبّع المنظومة الصحية مع آلام النساء حتى الآلام الحادّة التي تعيقها في حياتها وأداء وظائفها العضوية والاجتماعية والعاطفية والنفسية، يُقابلها قلّة اعتراف ويزيد الوصم الاجتماعي من حدّتها لا سيما بالنسبة إلى الفئات الأكثر عرضة للهشاشة.
لا تصف المعارف في المجال الصحي والطبي المشاعر، ولا أفهم هذا بصراحة. صار الذهاب إلى الطبيب بدوره مجرّدا من التعاطف. تشاركني مريم تجربتها "كنت أعاني من مشاكل في ظهري قبل التقاعد بسبب الوقوف لساعات. قال لي الطبيب عمودك الفقري عمره سبعون عاما. صدمني. واقترح طبيب ثانٍ عملية قد تسبّب لي شللًا دائما". لجأت مريم إلى الطبّ البديل وجرّبت الوخز بالإبر. قرّرت أن تساعد نفسها بنفسها، "كنت أقرأ عن الآثار الجانبية. خفت من فقدان السيطرة على البول أو الإخراج. الأطباء يكرّرون التشخيص دون إنصات". تتذكّر والدتي طبيبة وصلت معها إلى باب العيادة لأنها ظنّت أنها لا تستطيع المشي، تقول "عاملتني بشفقة، ممّا زاد إحساسي بالعجز… وهذا أسوأ من المرض".
في نهاية كل شهادة يظهر خيط مشترك: تغافل المنظومة الصحية وإلغاؤها للبعد الإنساني والنفسي والعاطفي في التعاطي مع صحة النساء. لا وجود لاحتواء مشاعر النساء في هذه المرحلة الدقيقة ولا لأنسنة تجربتهنّ النفسيّة والعاطفيّة. تتم عملية التشخيص بناءً على مؤشرات عضوية وفيزيولوجية لأجهزة الجسم المختلفة. وما زالت العلوم الطبية تتعامل مع الجسد بشكل اختزالي وتغفل عمّا يتفاعل معه طبيعيا. في المقابل، يهتمّ مجال الصحة النفسية أكثر فأكثر بالمحدّدات الخارجية للصحة والاضطرابات النفسية[3]. تشمل المحدّدات التي يجب أخذها بعين الاعتبار لدى النساء تجارب العنف والاضطراب النفسي والعاطفي الناجم عن تعرّضهن للتمييز حتى من داخل منظومة الرعاية الصحية نفسها[4]. المفارقة أنّ هذا القصور داخل المنظومة الصحية يتحوّل في الآن ذاته إلى أحد المحدّدات المؤثّرة في صحة النساء النفسية، ويندرج مع بقية العوائق المؤسساتية أو الهيكلية التي تحدّ من حقّ الولوج إلى الصحة. أظهرت دراسة أُجريت في تونس أنّ النساء يواجهن صعوبات واضحة في الحصول على خدمات الصحة النفسية بسبب الفجوات الهيكلية والتمييز المؤسساتي داخل النظام الصحي.
تؤثر عوامل متعدّدة في قدرة النساء على الوصول إلى المساعدة وطلبها، ويجب مساءلة هذه العوامل بشكل تقاطعي يأخذ في الاعتبار أبعاد الجندر والطبقة والعرق والسياق السياسي أيضا، تكشف دراسة شملت نساء قطريات وعربيات تتراوح أعمارهن بين 45 و65 سنة، أن النساء غالبا ما يتأثّرن بعوامل تقاطعية تشمل الأعراف الاجتماعية والوصمة والخطاب الديني ممّا يحدّ من طلبهنّ المساعدة. هذه المحدّدات الخارجية تؤثر بشكل تراكمي في الصحة النفسية طوال دورة الحياة، ويختلف تأثيرها حسب الفئات السكانية الأكثر عرضة لعوامل الخطر والأقلّ تمتعا بفرص حماية صحتها النفسية.
أتساءل، كما تفعل جيرمين غرير: هل يمكن للمنظومة الصحية، وتحديدا الصحة النفسية في ممارساتها الذكورية والرأسمالية الغربية، أن تفيد هؤلاء النساء من حولي في شيء؟ تقول غرير في كتابها المرأة المخصيّة إننا نتعرّض لمزيد من محاولات التقويم على يد "هيئة تصحيح" لا سيّما علماء النفس الذين يقدّمون افتراضاتهم ووصفاتهم في سوق الإرشاد النفسي. تفسّر "عندما يتعلّق الأمر بالنساء، يُعتبر الطبّ النفسي خدعة استثنائية تستغل الثقة. فـتغيير الشخص أسهل من تغيير الوضع القائم الذي يُمثّل قيمة أعلى في فلسفة علماء النفس التفاؤلية"(غرير، 1999، ص. 133). أضيف، نحن بحاجة إلى تغيير الوضع لا إلى الانصياع لأيّ اختصاص يحاول تغييرنا، بل إلى تحرير النساء من مسؤولية كل الاضطرابات النفسية والعاطفية وزيادة وعيهنّ بتأثير المحدّدات والعوامل الخارجية على صحتهنّ وحياتهنّ.
توقّفت عن البحث ضمن المجال الصحي والنفسي في مرحلة ما لأنني لم أعد قادرة على استخدام المقاربة النسوية كما أتمثّلها في التحليل. هذا الاختصاص يحتاج إلى تقويض جذري. تطرح النسوية أسئلة جوهرية حول التفسيرات الطبية السائدة لانقطاع الطمث والصحة النفسية وغيرها من التجارب. ومن المسائل الملحّة ضمن هذه المقاربة ضرورة ربط التجربة الجسدية بمختلف الأبعاد الأخرى المكرّسة للتمييز على أساس النوع الاجتماعي أو الجنس. تُبيّن إميلي مارتن في كتابها المرأة والجسد: تحليل ثقافي للأنثى البيولوجية أن الطب الغربي قد حدّد تصورًا نمطيا يصعب دحضه عن أجساد النساء (مارتن، 1987). وأضيف أن شعوبا كثيرة من خارج هذا المركز الغربي تعاني من وطأة هذه التصوّرات النمطية بالإضافة إلى البعد الاستعماري. فلا تساعد البنية التحتية الفقيرة والمتهالكة في تقويض هذه التصوّرات بما يتماشى مع احتياجات النساء الواقعية.
بالإضافة إلى المقاربة النسوية، تتحدث مقاربات أخرى كالوجودية عن إعادة تشكيل المعنى والانتقال من أدوار مألوفة إلى مساحات جديدة، مجهولة وربما محرّرة. تتناول النظرية الوجودية هذه المرحلة كنقطة تحوّل وجودي أو ما يُعرف بأزمة منتصف العمر. يُعاش هذا التحوّل بأشكال متعدّدة تختلف من امرأة إلى أخرى. فالنساء خلال المقابلات عبّرن عن مشاعر مختلفة كالعزلة والتحوّل والتأمل والفقد… سألتُ محاورتي من الأردن مريم عن التحولات النفسية والعاطفية في هذه المرحلة، فذكرت أن تغيير بيتها ومغادرة محيطها السابق كان له أثر كبير على صحتها النفسية والعاطفية، إذ وجدت نفسها وأسرتها الصغيرة تنتقل إلى محافظة أخرى مشيرة إلى شعورها بالعزلة. "ما بعرف كثير ناس في عمّان. فصرت بشعر بالعمر أكثر". فقدت مريم زوجها وبات أبناؤها منشغلين بحياتهم البالغة. فكّرت مرة في رعاية أحفادها، "قلت أجيبهم أتونّس بيهم. بس الحمل ثقيل عليّ".
نفس الشعور عبّرت عنه سارة وهي لاجئة في فنلندا لتخبرني أنها لولا فنّها لشعرت بعزلة قاسية. تقول "لا يقدّر المحيط الاجتماعي هذه المعاناة. الأهل يشوفونك طلعت من البلاد ويشوفوا صور فايسبوك والنجاح المهني يحسدونك وهو واقع كلو صعوبات. هل سهل تخلي وراك بلاد خربانة وتضل محتجز لسنوات؟" أما أمّي فاختارت أن ترفع كاميرا الهاتف خلال المقابلة بدل الإجابة عن السؤال لتريني الحديقة التي كانت تعجّ بلعبنا وصخبنا منذ سنوات، فارغة من حولها. "في خضم الحياة تكونين نشطة جدا في فترات محدّدة... ثم يتوقف كل شيء فجأة". ولا تنسى أن تتذكر "يعزّ عليّ شريكي، نخاف برشا من فراقه. يعزّ عليّ بعد أولادي لكن في نفس الوقت لا أشعر أنني بحاجة لمسؤوليات إضافية في هالعمر".
يمكن الحديث عن الفقد في بُعديه المادي والرمزي. يرتبط الفقد المادي مثلا بانتهاء مرحلة الإنجاب وتوقّف الدورة الشهرية أو التخلّص من أعباء الرعاية الاجتماعية المرتبطة بهذا الدور. مع التقدّم في السن والتغيرات الجسدية، تظهر أشكال أخرى من الفقد تتعلق بالصورة الذاتية والجسد أيضا "لا عاد نلبس كيما نحب، لا عاد نجّم نشطح، ولا حتى نسجد. كيفاش نجّم نحلم؟" تقول والدتي. وهي الفكرة التي أشارت إليها سارة وهي تبدي قلقها من الوزن الزائد، أو مريم حين قالت "فكرت في الأول آخذ هرمونات بس كنت أشوف النساء بياخذوها للبشرة وتفادي التجاعيد وهيك".
لا يُختزل الفقد في الكِبَر والعجز والشيخوخة بل يحمل في طياته تحوّلات قيمية عميقة مرتبطة بالهوية والعلاقات والأدوار الاجتماعية والانتظارات والآمال. تتغيّر القيم التي تستبطنها النساء مثل التحقّق والرفاه والنجاعة... تقول والدتي: "أعتقد أن أكثر ما يميّز هذه المرحلة بالنسبة لي هو تغيّر الآمال والأحلام. علينا ألا نفقد خاصية الحلم، فطالما الإنسان يحلم، يتقدّم". أما مريم فتحدّثت بنضج كبير وهي تشرح أنها لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من الأعباء الاقتصادية، فالقرض الذي يثقل كاهلها لا ينسجم مع حاجاتها العاطفية والاجتماعية والاقتصادية اليوم، "أحب أسافر وأزور إخواتي بالغربة. كل شهر لما يجي الراتب ترجع الأزمة النفسية التي أحتاج أتحرّر منها".
ساعدتني المقابلات على مساءلة هذه القيم بصدق، وأحببت هذا المنظور الجديد الأكثر تحرّرًا، الذي يخرج من أفواه النساء ومن أجسادهن أيضا. تؤيد هذه الشهادات ما توصّلت إليه البحوث، حول أن تعرض النساء للاكتئاب والقلق والأعراض النفسية الأخرى الحادة في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث مرتبط بالتاريخ النفسي للمرأة. هذا التصوّر الذي يثمّن التاريخية الحياتية المتقاطعة ويدمج العاطفي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي، يقوّض النموذج التقليدي للصحة النفسية الذي يفترض أن غياب الأمراض هو الصحة. تُظهر الشهادات أن الصحة النفسية لا تقع على محور ثنائي خطي "صحة" مقابل "مرض"، بل هي حالة مركّبة تُبنى من المعنى والاعتراف والقدرة على التعبير.
الاكتئاب والقلق والصدمات: إرث عبر الأجيال
تزامن مرض والدتي مع فترة انشغالي بالبحث. طوال تلك الفترة، ظلّت أمي غاضبة تختبر مشاعر متداخلة. ومع بداية العلاج وما رافقه من تقلبات هرمونية مرتبطة بانقطاع الطمث ازدادت حدّة الأعراض النفسية. كانت مشاعرها المرتبطة بالمرض مفهومة إلى حدّ كبير بالنسبة لي، لكنني كنت مقتنعة بأن الاضطرابات النفسية تعود إلى مكان أعمق وأقدم من المرض الجسدي أو انقطاع الطمث. أثبتت الأبحاث منذ سنوات العلاقة بين مرحلة انقطاع الطمث وزيادة احتمالية إصابة النساء بالاكتئاب أو القلق. تشير الدراسات[5] إلى أنّه من غير الشائع أن تُصاب النساء بأول نوبة اكتئاب في منتصف العمر أو قبيل انقطاع الطمث، بينما اللواتي يعانين من اكتئاب حادّ في هذه المرحلة يكنّ عانين سابقا من اضطرابات نفسية وعاطفية مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم المتعددة[6].
يكشف المسح الوطني للصحة النفسية في تونس أن النساء بين 40 و49 عامًا يسجّلن أعلى معدلات التعرّض للاكتئاب (المعهد الوطني للصحة العمومية بتونس، 2016). تنسجم هذه المؤشرات الوطنية مع نتائج أبحاث أظهرت، بناء على بيانات من 9141 امرأة، أن مرحلة ما قبل انقطاع الطمث هي الأكثر ارتباطا بمخاطر الإصابة بالاكتئاب[7]. من منظور نسوي واجتماعي، هذه المرحلة العمرية هي الأكثر ضغطا على النساء سواء من حيث الدور الإنجابي أو العمل أو التوقعات الاجتماعية والاقتصادية مجتمعة. عدت إلى تقرير حالة انقطاع الطمث لعام 2025 الذي يؤكّد أن النساء يعانين من انقطاع الطمث دون استعداد كاف وأن تأثيره أشد وطأة على الفئة العمرية 40-49 عامًا. حيث أفادت ثلاث من كل أربع نساء من نفس الفئة أن الأعراض انعكست سلبا على جانب واحد على الأقل من حياتهن لا سيما المهنية حيث تتزامن غالبًا مع ذروة مسيرتهن.
ترتبط بعض الاضطرابات النفسية والعاطفية كالقلق والاكتئاب بتراجع القدرة التنافسية للنساء في سوق العمل خلال هذه المرحلة، خصوصا ضمن المنظومة الرأسمالية وفي القطاع الخاص. تتحدّث إحدىالمدونات عن ظاهرة التخلي عن خدمات النساء في سوق الشغل في الولايات المتحدة البريطانية مشيرة إلى أن 900 ألف امرأة يفقدن وظائفهن بسبب انقطاع الطمث وذلك وفقًا لتقديرات صادرة عن شركة التأمين الصحي الخاصة "بويا".
أفكّر في النساء من حولي مجدّدا. تصل النساء إلى الأربعين وقد أنهكن أساسا بمحاولات السعي الطويل من أجل الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. نبلغ الأربعين بأجساد تستعد لتغيير هيكلي جديد ونحن ما زلنا نتفاوض من أجل أجور عادلة ومواقع أخذ القرار. جعلني هذا المثال أفكّر في الجيل الذي أنتمي إليه، جيل يواجه منظومة رأسمالية استهلاكية تستثمر في كل شيء حتى أجسادنا. فلا نعرف هل تحتاج أجسادنا إلى الراحة أم إلى الترقية التي عانينا طويلًا للوصول إليها. كما يذكّرني بالضرورة بالإرث النسوي من التعب الذي نحمله عن أمهاتنا وجدّاتنا، النساء المرهقات بأعباء الرعاية الاجتماعية والعمل غير المرئي وغير المدفوع.
خلال المقابلة مع والدتي تطرّقنا إلى تجربة والدتها. فسّرت قائلة "لأمي كل الحق فيما مرّت به من صعوبات نفسية وعاطفية. فقد كانت مرحلة انقطاع الطمث عسيرة وبدأت منذ سن الأربعين." ثم أضافت "لم تتقبّل أمي ذلك ربما لأنها تحب الإنجاب". حملت جدّتي اثنتي عشرة مرة، وفقدت في حادث سير مروّع أربعة أطفال و جنين كانت تحمله. ربّت لاحقا ستة أطفال ممّن نجوا من تلك الخسارة القاسية، وحين تعرّضت لإجهاض أخير في حدود الأربعين، تدخّل الإطار الطبي في منتصف سبعينات القرن الماضي وأوقف الطمث نهائيًا بحقنة، دون موافقتها، بعد أن علموا أنّها تربّي ستة أطفال. لم تسامح جدّتي المنظومة الطبية حتى اليوم، ولا تزال تذكر تلك الحادثة بمرارة حين قرّر الأطباء بجرعة واحدة تعقيمها.
أشارت مريم بدورها إلى والدتها دون تخطيط مسبق في المقابلة "مارست الأمومة منذ طفولتي، لأنني من عائلة كبيرة. أتذكّر كيف أنجبت أمي اثني عشر طفلًا واستأصل رحمها بسبب الولادات المتكرّرة." أما سارة فقالت "أتذكر حين جاءتني الدورة في سن المراهقة، انصدمت. لم يخبرني أحد بما يحدث وأمي لم تكن قادرة على ذلك مع عدد كبير من الأطفال. حين كبرت صرت أقرأ أكثر لأعوّض غياب المعرفة، وحوّلت فضولي عن جسدي وعن أمي وأختي إلى لوحات فنية. فأنا مهتمة بسرد هذه المعاناة."
هذا ما أعادني إلى عنف المنظومة على النساء وثقل الدور الإنجابي الذي يقترن بالتجربة النفسية والعاطفية. أقرأ في إحدىالمقالات أن الصدمة أو الضيق الناتج عن التعرّض لضغوط مزمنة أو شديدة هي تجربة إنسانية قادرة على الانتقال عبر الأفراد والزمان، ويمكن أن تنتقل إلى الجيل التالي إذا لم يُتّخذ أي إجراء للتخفيف منها. تصف الجمعية الأمريكية لعلم النفس الصدمة العابرة للأجيال بأنها ظاهرة يُظهر فيها أحفاد من مرّوا بأحداث مؤلمة مشاعر وسلوكيات سلبية تجاه أحداث مشابهة، وقد تستمر حتى بعد تلاشي ذكرى الحدث الأصلي. تقدّم جدتي نموذجًا حيًا، فقد شكّلت الصدمة التي عاشتها نقطة فارقة في حياتها وحياة أسرتها. ظهر أثرها خلال ما قبل انقطاع الطمث. لاحقا، مرّت خالتي الصغرى بنفس الأعراض في فترة مماثلة، ما يوضح امتداد التأثير عبر الزمن والأفراد.
تُحوّل سارة الصدمة إلى أعمال فنية تجسّد اضطهاد النساء وتقاوم النسيان وغياب الاعتراف المرتبط بتجربة والدتها التي واجهت الحصار الاقتصادي والحرب في العراق مع اثني عشر طفلا. أما أنا فلا يسعني إلا أن أفكّر في النساء الفلسطينيات تحت الإبادة المستمرة في غزة، وفي نساء السودان ولبنان وسوريا واليمن وغيرها من المناطق التي تعصف بها النزاعات، اللواتي يواجهن يوميًا سؤال البقاء والقوت وحماية عوائلهن. تمثّل مرحلة الانتقال الهرموني في منتصف العمر تجربة شعورية وجسدية معقدة تتقاطع مع هذه الضغوط، وتعكس اتصال النساء بالطبيعة والأرض وبما يحدث حولهن، فأجسادنا ليست منفصلة عمّا يجري في العالم.
كلما قرأتُ أكثر ازداد فضولي. أجمع قصص النساء وأتجوّل بين المدونات والفيديوهات والمقالات وحلقات البودكاست وأفكّر في أشكال الكتابة الممكنة. المحتوى بالعربية قليل وتجارب النساء العربيات تتعرّض لتصميت ووصم مضاعف. ثم أعود إلى التاريخ العائلي والإرث النسوي الذي يسكن عقلي الباطن ويدفعني إلى الارتباك أمام فجوة المعرفة وتعارض المنظومات المهيمنة، الصحية الغربية والرأسمالية والأبوية، مع احتياجات النساء الفعلية. شخصيًا، لم أمر بعد بهذه المرحلة، فكيف أكتب عنها بما يفي حق صاحباتها؟ كيف يمكن الحديث عن النساء بتعدّديتهن واختلاف تجاربهن؟ ماذا لو قرأت والدتي هذا المقال، هل سيكون مفيدًا؟ لمن أكتب إذا؟ لنا، النساء اللواتي ما زلن لم يخضن هذه التجربة لتعزيز وعي فردي وجماعي بأجسادنا؟ أكتب للنسويات المهتمات بالحفر والتفكيك؟ أكتب من أجل توثيق الإرث النسوي؟ كيف يمكننا تثمين التجارب الحيّة؟ لماذا لا نُدرج انقطاع الطمث ضمن الحقوق الجنسية والإنجابية والصحة النفسية في مساحاتنا النسوية؟ كل ما أعرفه أنني لا أكتب للمنظومة الصحية ولا لأي سلطة مهيمنة، بل أكتب للنساء اللواتي ساعدنني على فهم ما لم تستطع المعارف الطبية تفسيره. ولأجلنا جميعا، حتى نصوغ معرفة من تجاربنا نحن.
[1] حكي نسوي (2025) انقطاع الطمث، فيديو بحث وكتابة وتقديم سارة قدورة. صدر في 18 جوان 2025. متاح على: https://www.youtube.com/watch?v=LUow1KfiFnE
[2] عن جمعية سنّ انقطاع الطمث في الولايات المتحدة (The Menopause Society) (2024) تقرير سنوي حول تجارب النساء مع مرحلة انقطاع الطمث، متاح على: https://hellobonafide.com/pages/state-of-menopause-2025
[3] تشمل محددات الصحة النفسية السمات الفردية مثل القدرة على إدارة الأفكار والعواطف والسلوكيات والتفاعل مع الآخرين، ولكن أيضًا العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والبيئية مثل السياسات الوطنية والحماية الاجتماعية ومستوى المعيشة وظروف العمل والدعم المجتمعي. منظمة الصحة العالمية (2022) الصحة النفسية: تعزيز المفهوم، تقييم العبء، وتحسين الخدمات. متاح على: https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/mental-health-strengthening-our-response
[4] تقدّم الهند مثال يوضح هذه الفرضية حيث يبدأ انقطاع الطمث غالبًا مبكرًا (متوسط العمر 46 عامًا مقابل 51 عامًا عالميًا) غالبًا دون تحضير أو تقييم سريري أو دعم اجتماعي أو مهني. عدد قليل من النساء يتلقين تعليمًا حول الصحة الجنسية والإنجابية، والوصول إلى الدعم الصحي محدود، خصوصًا للفئات الأكبر سنًا والمجموعات الأكثر هشاشة وفقرًا. الضغوطات المزمنة مثل الفقر وسوء التغذية والأعباء الاجتماعية المتراكمة تزيد من تأثير مرحلة انقطاع الطمث على الصحة النفسية. نفس المصدر السابق.
[5] تعزيز الصحة النفسية الجيدة خلال مرحلة الانتقال إلى سن انقطاع الطمث. متاح على: https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736%2823%2902801-5/fulltext
[6] تقول هادين جوف، أخصائية الصحة النفسية للنساء، إن "النساء اللاتي يعانين من نوبات اكتئاب حاد خلال انقطاع الطمث غالبًا ما لديهن تاريخ من نوبات اكتئاب سابقة. من النادر جدًا أن يصاب شخص بأول نوبة اكتئاب في منتصف العمر"
[7] البحث عن خطر الاكتئاب في مراحل انقطاع الطمث، (2023). تشير نفس الدراسة إلى أن هذه المرحلة ما زالت غير مستكشفة بالقدر الكافي في الأبحاث. متاح على: https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0165032724006438?via%3Dihub
This Content Isn't Available In English