تخطي للذهاب إلى المحتوى

ورثت أمّي. فعاشت بالنيابة عني

11 أغسطس 2026 بواسطة
أميرة يعقوبي - Amira Yaqoubi

تونس في 25 ديسمبر 2025.

اليوم هو تاريخ جلسة الاستئناف الأولى في قضيّة قتل رفقة الشارني[1] على يد زوجها الأمني بسلاحه المهني. أتجهّز للذهاب إلى مدينة الكاف[2]، هناك أين قُتلت رفقة وتركت طفلا لم يتجاوز الثلاث سنوات وأين أمضيتُ أنا 18 عاما من عمري، وتركتُ قصّتي مع أمّي وأقفلتُ عليها داخل صندوق محكمٍ لمدّة خمسِ سنوات.لم تكن عودتي هذه المرّة مجرّد متابعة لمستجدّات القضيّة، بل كانت عودة مثقلة بالمخاوف الّتي حملتها مع صديقاتي النسويّات من ارتعاش ميزان العدالة في تونس، وقد دفعنا من أجله سنوات من النضال ليقتصّ لنا. أمّا عن نفسي، فأحمل في سرّي ثأرًا شخصيًّا أحيَته هذه الجريمة بالذّات. هي بالنسبة لي القضيّة النسوية والسياسية التي أعادت وصلي بالمدينة التي تمنّت أمّي العودة إليها في آخر أيامها، حتّى تعانق جدران منزلها الذي رصّت أعمدته بجهدها، ونفخت فيه من روحها، قبل أن ترحل وتُدفن بعيدًا، في مدينة أخرى لا تُشبهها.

عدت لأتذكّر كلّ هذه التفاصيل وأنا في طريق الذهاب، وفي قاعة المحكمة وبعد الخروج منها. كان كلّ ما يغمرني آنذاك هو كتلة الغضب الّتي عبّأت حنجرتي فخنقتني وسدّت أنفاسي.

●      محاولات النبش في الذاكرة ومُساءلة الذات

حملت غضبي و استسمحت ممّن كنّ معي لينتظرنني، علّني أحظى ببضع دقائق في منزلنا القديم، هناك أين ولدت وراكمت الذكريات. منزلنا الذي ارتبط بماجدة، برائحتها وطقوسها، والذي راحت أحجاره تتساقط من وقع رحيلها وهجرانها. أزور بيت الجدّة والجدّ للقيام بواجب الاطمئنان عليهما قبل الصعود إلى منزلنا. هممت بالخروج فإذا بجدّي يستوقفني ليعاتبني: " داركم هِمْلِتْ وتهجرت، عودي روحي تفقديها ونظفيها وتلهي بيها، علاش مسكرة أكاكة حرام." تقاطعه جدتي لتُكمل من جهتها: "ماجدة ماتحبش الحزن وماتحبّش دارها في الحالة أذيكا، أمّك متهنية بيك في قبرها، الله يرحمها".

أخذت المفتاح وذهبت مسرعة نحو الباب، لم يترك الغضب مجالا في قلبي لتحمّل العتاب والتذنيب ولا لفتح الجروح. فقد أتيت لأعانق ما تبقّى من أمّي بين جدران هذا المنزل المهجور منذ خمس سنوات. كرهت هذه المدينة وهذا الحيّ وهذا المنزل الممتدّ وكلّ من يسكنه، فكلّ ما فيه يثير غضبي: منازل دافئة وأمهات موجودة ونظرات شفقة تتجه نحوي تارة بسبب يُتمي وتاراتٍ بسبب تأخر قدوم "الفارس المغوار المُنتظر" ليُروّض هذه "الفرس"[3] الّتي فكّت اللجام منذ انتقالها إلى العاصمة.

تسارعت خطواتي ودقات قلبي معًا، صعدت الدرج ثمّ اقتربت من الباب لفتحه وإذا به يخبرني عمّا عبأته الأقفال من صدأ. باءت كلّ محاولاتي لفتحه بالفشل وكأنه يطردني ويؤكّد كلام جدّي الذي حمّلني مسؤوليّة الإهمال والتقصير. ركلت الباب بقوّة وتلوت أمامه ما تيسّر من الكلام البذيء، لعنت نفسي ولعنت معها أمّي، فلم أستحضر حينها خطاب البرّ بالوالدين ولا كلّ الحشو الذي تخلّل رأسي وأنا أُلقَّن دروس "التربية الإسلاميّة" والأحاديث النبويّة والدروس المُعتمدة في برنامج مادّة العربيّة فتبّا "للجّنة تحت أقدام الأمّهات" وتبّا لخبز أمّي وقهوة وأمّي ولمسة أمّي.

بكيت بحرقة وغادرت. أنا الآن مطرودة. استدعاني هذا الطرد الرمزي للانتباه إلى صورتي في أعين أجدادي فتذكرت لوهلة ما سلّحتني به قراءاتي لنوال السعداوي في روايتها "امرأة عند النقطة الصفر"[4] عندما قالت: "قالوا إنني امرأة متوحّشة وخطيرة. أنا أقول الحقيقة والحقيقة متوحّشة وخطيرة". لم أقتنع حينها أنني متوحّشة ولا خطيرة، فقد التزمت الصمت ولم أناقش مسألة لومي وجَلدي المتواصل. ولكن غيابي الطويل وإهمالي لتحمّل مسؤوليّة "نظافة بيت العائلة" هو كفر اجتماعيّ وفعل متوحّش وخطير. أدركت نسبيّا أنني قد تمتّعت بامتياز قول الحقيقة عندما تخلّيت وعندما غضبت فشتمت ولو سرّا. يبدو أنّ استحضار نوال السعداوي آنذاك كانت آليّة دفاع لا أكثر.

حاولت ترميم نفسي وإخفاء دموعي قبل الصعود إلى الباص وأخذ طريق العودة إلى تونس العاصمة، ولكنني وبقيت مشحونة بالغضب وعاجزة تماما عن تصريفه، حتّى استوقفتني لافتةٌ أثّثت بعضًا من ذكريات طفولتي كلّما مررت بها وقد كُتِبَ عليها " إلى اللقاء، مدينة الكاف تتمنّى لكم طريق السلامة". ضحكت وتذكّرت كيف كانت أولى خطواتي المتّجهة نحو دوري الاجتماعي التقليدي كفتاة "عصريّة" تقيم في منزل عائليّ  في العاصمة، وتذكرت غرقي في  القيام بأعمال الرعاية، مقابل إهمالي لاهتماماتي وأحلامي. استهزأت من نفسي ثمّ سألتها: أيّ طريق سالمٍ أخذتِ؟ مسارٌ حوّل شغفي بالحياة إلى محاولات انتزاع الشعور بالذنب من خلال الاهتمام بشؤون المنزل والعائلة.  ومنذ ذلك الحين، تغيّرت علاقتي بتلك اللاّفتة، فقد أدركت أنني لم أعد طفلة بين أحضان ماجدة، أنا الآن نُسخةٌ أخرى عنها لكن مع تغيّرٍ في الزمان وخاصّة في المكان.

مرّ شريط كامل في رأسي فرأيت كيف غدوتُ بعدما رحلت أمّي:

فتاة في أواخر العشرينات، واقفة أمام المرآة و ترتدي بيجامة مرفوقة بشعر مبعثر وهالات سوداء تحت العين، عضلات مرخيّة وجسد يتوسّل للاستحمام. في المقابل أرضيّة تلمع و منزل مرتّب ولكنّه صامت. كان كلّ الضجيج داخل رأسي: "أبي سيأتي متعبا وسينام"... أختي قادمة مع عائلتها، تفقّدي كلّ الأركان لتكون جاهزة للاستقبال."... ماذا عن صديقاتي اللاّتي يؤنسن وحدتي؟ أعلم الكمّ الكبير من الجهد والطاقة الّتي يوّفرنها من أجلي، سيحظينَ أيضاً بنصيب من الراحة بقربي.

أتحدّث مع نفسي فأُدركُ أنّ لا أحد كان يجبرني على فعل ذلك غير هوسي بالحفاظ على عادات أمّي داخل المنزل، سلوك لطالما أراحنا جميعا وأعيا كاهلها في صمت. لا أنكر أنني كنت أرى كلّ ذلك الثقل وتساءلت عنه مرارًا: "علاش تتعبي قد هكّا يا ما؟ أرتاحي."

كانت تجيب في كلّ مرّة قائلة: "مش ساهل تكوني أمّ." لم تُثِر هذه الجملة فضولي كلّ هذه السنين ولم أذهب يوماً إلى تفكيك مفهوم الأمومة بقدر ما كنت أشتاق لصورة أمي "المضحيّة" من أجلنا، أمي التي تغيّرت قسماتُ وجهها وجسدها وهي تربينا وتستثمر في دراستنا وتخلق التعلّةَ خلف التعلّةِ لننعم بمزيد من الحريّة كلّما دقّت نواقيسُ المجتمع لتنذرنا بحلول سنّ الزواج.

أنا لم أولد حاملةً صكّ النسويّة في يديّ، بل دخلنتُ[5] ما لذّ وطاب من الصور النمطيّة الّتي ضخّمت دور الأمومة في مخيّلتي وجعلتني في وقت ما من حياتي أختصر ذاتي كامرأة تستجيب بإتقان، للإملاءات الاجتماعيّة والثقافية التي يعرفها محيطي ويستسيغها. كبرت شيئاً فشيئاً وصرت أتساءل وأتمرّد ولكنني لم أقوَ يوماً على النيل من "قدسيّة الأمومة" وقد تعزز ذلك أكثر بوفاة ماجدة.

مثّل مفهوم الأمومة بالنسبة لي بيتاً جميلاً ودافئاً وأمّاً موجودة بدوام لا ينتهي، أتباهى بحضورها وأعتدّ بكلّ ما تقوم به لأجلي: غرفة مرتّبة، طعام لذيذ، ثياب نظيفة، منصتة جيّدة، صدر حنون، غطاء دافئ، بيت مفتوح للقاءات والاجتماعات وأمّ مضحّية لا تتذمّر وتملك حلولاً لكلّ المشكلات.

اقترنت الأمومة بالنسبة لي بكمّ الإطراء الذي كانت تتلقّاه أمي في كلّ مرّة كانت تجتاز اختبارات الصبر وطول النفس بابتسامة ورضا. لم أرَ الجانب الصامت منها وهي تحاول لملمة ذاتها كلّ يوم، باحثة عن مُتّكأ تبسط عليه حمولة المسؤوليّات الّتي لا تنضب.

أدركت مُتأخّرا أنني رأيتها كما يراها الجميع: امرأة حديديّة، ثابتة، قويّة ولا تنهار. أخطأت النظر لأمّي طيلة حياتي معها ولم أنتبه أنها كانت امرأة قبل أن تكون أمي، ويتيمة عندما أنجبتني. لم أرَ يوماً هشاشتها وتعاملت مع ذات خارقة "حيّة لا تموت".

●      التركة الثقيلة: نقطة تحوّل الابنة إلى أمّ

توفّيت أمي وتركت رصيداً هامّاً من الذكريات والمواقف والقصص، كانت تُروَى بحبّ وامتنان وبضحك. أمّا عنّي، فقد اقترن استحضار ذاكرة ماجدة بالحرقة والألم رغم محاولاتي لتسويق ابتسامات تنمّ عن الثبات والصبّر ومحاولة الانخراط في مسار الفكاهة والتندّر لتخفيف أعباء الذاكرة. يأتي هذا الاعتراف بعد أن واجهتني أختي يوماً بأنها تحتاج وجودي إلى جانبها لإسنادها قبل وفاة أمّي. اقترن هذا الطلب بمرحلة غُصتُ فيها في الهروب والإنكار لواقع بداية رحيل أمّي، ثمّ انتهى باستفاقة غريبة حاولت فيها تدارك غيابي عن مربّع تحمّل المسؤوليّة. استغرق مني ذلك وقتاً طويلاً لفهم أسباب استبعادي من طرف العائلة: كنت الابنة الصغرى والأخت الصغرى، موقع لم يضع على عاتقي أيّ مسؤوليّة عائليّة ولكنّه كان يذكّرني كلّ الوقت بمحدوديّة قدرتي على الوقوف بنديّة للتباحث حول وضعيّة أمّي الصحيّة أو طرح الأسئلة. كنت ببساطة الفتاة الصغيرة الضعيفة والحساسة. هكذا كان يتمثّلني أغلب المحيطات والمحيطون بي آنذاك، وكان لزاماً عليّ أن أمحو هذه الصورة من رؤوسهنّ/هم حتّى أتمكّن من إثبات ذاتي وتقديرها.

الآن وبعد أن رحلت ماجدة دخلت رسميّا في الاختبار، كانت النقطة المفصليّة التي دفعتني لوضع الحداد جانباً لأعيد التموقع أو بالأحرى لأكفّر عن "ذنبي"، هذا ما أفرزته المواجهة الضمنيّة: دَينٌ قديم يجب سداده،  ومنذ ذلك الحين لم يوضع حدادي وحده على الرّف، وُضعت معه أنا أيضاً، وانطلقت في رحلة ترميم التوازن الذي يحتاجه منزل ماجدة، كلّ ما احتجته كان وصفةً تتركّب من أفعال أمّي وتصوّراتها وأمتعتها وطقوسها ووصاياها. توليفة كانت كفيلة بإنكار من أنا لتعيش هي.

كان أغلب وقتي عبارة عن أعمال منزليّة لا تنتهي، كنت أستيقظ حاملةً همّ الغسيل والطبخ والترتيب، مهام اختُزلت في ثلاث كلمات ولكنّها كانت كفيلة بتوليد التشنّجات العضليّة وبتسلّل الدوالي[6] إلى ساقيّ، لتترك خرائط زرقاء تُخبر عن جهد يوميّ لا يُحكى.

لم تحظَ مسيرتي المهنيّة بالأولويّة، كنت ألتفت إلى مكتبي الذي أعددته بحبّ بعد شفائي من مرض السرطان، فأرى كمّ الأعمال المتكدّسة عليه دون أن أقوى على نفض الغبار عنها والاشتغال عليها. تمثّلت كلّ مشاغلي في فضاء مرتّب ودافئ تفوح منه رائحة "الوشق"[7]، هاتفي الخلويّ في الشاحن بعد ما أنهى مهمّة الاطمئنان على الأحباب والأقارب، لتنفذ معه بطاريّتي الاجتماعيّة وأنا أهتمّ لراحة الجميع ورضائهنّ/هم عنّي. مسلسلي المفضّل على شاشة التلفاز تقابله سلّة الغسيل الجاهز للطّي، وأذنايَ على جرس الباب تنتظر قدوم الزوّار. هنا في غرفة الاستقبال خطّطنا لشكل المناسبات العائليّة: مواسم رمضان والأعياد والأعراس والنّفاس... هنا في هذا المنزل وحوله تدربت أكثر على الكتمان والصمت والإنصات وفي المكان نفسه نسيت التدرّب على قول "لا".

عندما أصيبت أمّي بالسرطان، أقسمت حينها على الانتصار ولكنّها ماتت. أمّا أنا فكان كلّ همّي أن لا تموت ماجدة مرّة أخرى. قبل ليلة من إجراء العمليّة أودعت سرّا على قبرها فقلت:" وقتلّي أنت مشيتي يا أمّي بقيت أنا، وكان نمشي مش باش يبقالهم حدّ، كان نجي بحذاك أكيد نفرح أما هوما باش يحزنوا، يزيهم من الحزن." خرجت بعد ذلك من العمليّة وقد هنّأني الطبيب على شجاعتي وأخبرني بأنني تقريبا قد نجوت. بكيت كثيرا وتمنيت لو كان هذا "الانتصار" منسوباً لماجدة، رغم أنني أصبحت أراها بدلاً من أن أراني في انعكاس المرآة: تغيّر وزني وملامحي وصرت أشبهها أكثر… أو هكذا كان يخيَّلُ لي. دخلت في قطيعةٍ شبهُ تامّة مع جسدي، فلم أعد أشعُر بأنه جسداً "جميلاً" ولا مرغوبًا فيه، خاصّة مع كمّ الكيلوغرامات الزائدة التي ظهرت، ومع "التشوّه" الذي طرأ عليه جرّاء الجراحة.

صرت أميل أكثر إلى ألبسةٍ فضفاضة تغطّي "عيوبيَ الجديدة"، فما كان لدولاب أمّي إلاّ أن يفي بالغرض، أصبحَت سراويلها وعباياتها ملاذاً آمناً بالنسبة لي، "أتستّر" بها من جهة وأُذكّر من حولي بأنّها ما زالت على قيد الحياة من جهةٍ أخرى. تعطّرت أيضا في تلك الفترة بنفسِ عطرِها ولجأت "للذّكر" بمسبحتِها. وانقطعت بعد ذلك عن الانخراط في تجاربَ عاطفيّة وكثيراً ما رفضتُ نفسي قبل أن يرفضني أو أن يتجاهلني أحد. حتّى عندما بدأت أتماثَلُ للشّفاء واصلتُ وضعَ نفس "الرداء": رداء ماجدة الذي رفضتُ خلعَه، وسطّرت كلّ تلك المرحلة من حياتي وأنا "تحتَه". فحتّى في أكثر الأوقاتِ حساسيّة ودقّة كانت تجربة المرض مُستنسخة عن تجربتها، كنت أعيش تفاصيلها مع نفسي، رغم محاولاتي قدر الإمكان إخفاء هشاشتي ولكنني كثيراً ما كنت أتذكّر هشاشتها. 

أدركتُ أنني لم أرث مسؤوليّات أمّي وحدها بل ورثت معها جسدها "الجريح" "فارتديتُه" بالفعل حداداً عليها، حتّى صرت من فرط وفائي لها حاملة ذاكرتها الجسديّة التّي تعجّ بالألم والقهر، فحملتُها ونجوتُ بها من خلال "سيناريو" كتبتُه بمفردي طيلة فترة تجربتي مع هذا المرض.

بعد هذه الفترة بالتحديد تضاعف شعوري بالمسؤوليّة تجاه عائلتي، إذ كان عليَّ العودة سريعًا لأتداركَ غيابي وغيابها ولأعيد التوازن من جديد. مكثتُ في المنزل، وكان إحساس الفقد يزّج بي أكثر فأكثر في خلاّط "الأمومة"، فتعّلمت توفير الراحة والسعادة والأمان لمن حولي. كنت أسعد جدّا بهذا الإنجاز وأنا مستلقية على الأريكة وقد نالت منيّ آلام ظهري، بعد الاستجابة لاحتياجات يُخيّل لي أن لا أحد كفيل بتلبيتها غيري.

لم أخض تجربة الحمل ولا الولادة ولم أتدرّب عليها ولكنّ كلّ شيء من حولي كان يخبرني بأنني قد أصبحت أمّا. مضت سنوات كنت أعتذر فيها مرارا عن تلبية الدعوات ل"شقّان الفطر"[8] في شهر رمضان، فكثيرا ما كنت أفضّل أن أستقبل الجميع لأعدّ الطعام بنفسي متقنة آداب الضيافة. لم أفوّت مناسبة دينيّة أو اجتماعيّة إلاّ وقد جهّزت لها وخضعت لطقوسها: تعلّمت إعداد "عصيدة الزقوقو[9]" و"مرطبات العيد" دون إغفال البحث عن وجه أمّي ورائحتها في كلّ طبق وفي حضن كلّ شخص قادم لزيارتي. هنا، في هذا المنزل اجتمعتُ مع أختي وصديقاتي وأحبّتي للتباحُث في مشاكل اجتماعيّة وقضائيّة واقتصاديّة، هنا في هذا الرّكن من البيت قدم البعض للرفع من معنوّياتي، ولنتشارك قصصنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا معًا.

لا أحد كان ينتبه بالشّكل الكافي لحجم الثّقل، فما يبدو للعيان هو "مجرّد" نمط حياة بديهيّ لفتاة تستلم "مشعل" الدور الرعائيّ عن والدتها الراحلة، دون أن أنسى ذكر نصيب الإطراء الذي طالني مشيداً "بخليفة" الماجدة من بعدها، لا أستغرب هذا فأنا أعترف بأنني أتقنت الدور ببراعة.

رغم كلّ ما أدعيه حول نسويّتي إلاّ أنني تبنّيت مفهوماً مماثلاً للمفهوم التقليدي للأمومة: ذاتٌ تذودُ بنفسها من أجل بيتها وأطفالها، لا أعلم الجدوى من إقراري بغبائي ومحدوديّتي النسوية، ففي هذه الحالة، لا أعدو أن أكون إلاّ نسويّة لم تتجاوز صفّها الأوّل. قد يبدو هذا الطرح ليبرالياً وأبيضَ يتوقّف عند تقييم سلوكي النسوي بشكل مسطّح وبمعزل عن السياق الاجتماعي والطبقي والثقافي والسياسي الذي وُجدت فيه، ولكنني أُساءل نفسي بالعودة إلى الخطاب الراديكالي الذي طالما تبنيته في كلّ مرّة قمتُ فيها بنقد استنزاف المنظومة الأبويّة لجهود النساء، فهل يمثّل استمراري في تخليد أمومة أمي وإعادة إنتاج سلوكها تطبيعاً مع ما أسَّسَت له القيم الذكوريّة؟

●      الحفر في دلالات الدور "الموروث"

مرّت خمس سنوات وأربعة أشهر على رحيل ماجدة، كنت مُنكبّةً فيها على إبقاء عتبة منزلها عامرةً ومضيئة، سنوات مرّت رحل فيها جسد ماجدة ولكنّها في الحقيقة تحيا بالوفاء لذكراها، لم تعُد فقط ماجدة الأمّ، أنجَبَت أختي فصارت أيضا ماجدة الجدّة، الّتي تتواصل معها حفيدتها وتصطفيها من بين الصور وتناديها: "مامي مجّودة". كان مهماً بالنسبة لي أن تتعرّف الحفيدة على عادات منزل جدّتها وأن تتخاطب معها من خلال تفاصيل وأمتعة وأماكن ذات قيمة رمزيّة شيّدتها الماجدة فأصبحت رصيدا يُقاوم النسيان.

تولّدت لديّ رغبة للاستثمار في دور ماجدة الجدّة، بعد أن وُضِعتُ في اختبارٍ صعب تمثّل في مرافقة أختي في فترة النّفاس، قد تكون هذه المناسبة فرصةً لأشكر أمّي على إرث رمزيّ وثمين، فقد تركت أُختين متحابّتين ومُتضامنتين وموجودتين كلٌ لإسناد الأخرى. ولكن هذا الإرث وحدَه لم يكفني أمام شعوري بثقل غيابها عنّى، وعن أختي خاصةً في فترة حملها وولادتها.

لم أكن أمام خيارٍ مريح أتموقع من خلاله في خانة الأخت والخالة فحسب. فجررتُ قبّعة أمّي وتسلّحت بها علّني أعوّضها ولو بجزء صغير وأعوّض نفسي عن فظاعة الفقد العظيم، لجأتُ إلى الكتبِ والإنترنت لأتعرّف على أدبيّات التعامل مع أختي الحامل، كما استثمرتُ أكثر في اللّطف والحنان والاحتواء والإنصات المستمرّ، علّني أستجيب ولو بنسبةٍ صغيرةٍ لاحتياجاتها. لم يكن ذلك واجباً أخلاقيّاً يربطني بها بقدر ما كانت "أمومتي المخفية" لها هي التّي تتحكم في الأشياء، كان لزامًا على ماجدة أن تكون موجودة لتُغطي ضعفي وعجزي، فحاولت استحضارها لنفسي حتّى لا أخفقَ في هذا الاختبار.

وُلدت آلمى فاكتشفت معها "شعور الخلولة" ثمّ لامستُ في سلوكي أدوار الجدّة التّي تستقبل حفيدتها لتهتمّ بها وترعاها حتى تعود أمّها، لم تكن ماجدة موجودة لتنصحني وتعلّمني أبجديّات التعامل مع الرّضع، فخلّصت نفسي مراراً عبر التساؤل :" كان جات ماما هنا كيفاش كانت تتصّرف؟" حضنتُها ودثّرتها وغنّيت لها ونيّمتها على سرير ماجدة. هكذا "تعلّمت رويداً رويداً كيف أكون "أميرة الخالة" ولكن كثيراً ما يغلب عليّ شعور "أميرة الجدّة" ورغم ذلك لم أتجرّأ يوماً على الإعلان عنه، ولم أجد غير الكتابة سبيلاً للاعتراف به.

لا يتحدّث هذا النصّ عمّا ورثته عن أميّ بقدر ما يُخبر عمّا اخترت أن أرثه عنها. ربّما اختارت ماجدة شكل حياتها وخاضت تجربتها الخاصة لتترك أثراً قبل أن ترحل، فلا يُمكن أن تُختزل أعمال الرعاية الّتي اضطلعت بها في ركن غير مرئيّ، بقدر ما تحتاج أن أتوقّف عندها لأدرك الضريبة التي دفعتها لتحررّ بناتها من إكراهات المنظومة الأبويّة. استخدمت ماجدة الأدوات الّتي أُتيحت لها وهي تردّد على مسامعي جملة جوهريّة: "شهادتك العلميّة هي سلاحك ضدّ الزمن، ما تفرطيش فيها." لم تحتج أمّي إلى تحصيل علميّ لتُحدّثني عن منظومة القهر واللاّعدالة وغياب المساواة، ولم تترك لي رصيداً بنكيّاً يقيني من الهشاشة الاقتصاديّة، ولكنّها استثمرت في زرع الغضب في رأسي وجسدي، كانت تحملني ضمنيّا وعلنيّا على التمرّد كلّما انتُقِدت:" بنتي حرّة وتعمل إلي تحبّ وأنا موافقة". أتذكّر كيف كانت تقتطع من الميزانيّة المرصودة لأغراض البيت لتزوّدني بمصروف إضافيّ أتمكن من خلاله الالتحاق بالمظاهرات، دون أن أنسى أنها التحقت بنا مرات عديدة لتشارك بدورها في المسيرات ولتروي لنا ذكرياتها في التحرّكات الاحتجاجيّة عندما كانت شابّة.

آمنت أميّ بالنضال ومارسته بطريقتها وبالآليّات الّتي تشبهها فحوّلت منزلنا إلى فضاء نسويّ تشعر زائراته بالألفة والأمان وهنّ يحتسين القهوة ويتحدّثن عن تجاربهنّ الشخصيّة ويعبّرن عن مخاوفهنّ دون أن يخجلن من الانكشاف، كنت شاهدةً على هذه التفاصيل منذ طفولتي إذ تعاقبت أجيال مختلفة على منزلنا لاقت منها الدعم والتضامن، لم تطلق أمّي يوماً تسميةً على الأفعال التي كانت تقوم بها، ولكنها آمنت بجدواها فأثثت نصيبها من الذاكرة وراهنت على ذكائنا في فهم رسالتها.

مثّل هذا النصّ محاولة للجلوس وجهاً لوجه مع ذاتي، لأواجه خياراتي وقراراتي وأسباب انجرافي نحو تقمّص دور وشخصيّة ليست لي، كنت بحاجة لكتابة ما يُزعجني وما يأخذ حيّزاً من تفكيري، أحاول اليوم تطبيق ما نصحتني به المرافقة النفسيّة: "أمّك اختارت حياتها ورسمتها وأنت اليوم من حقّك تعيشي حياة تشبه لأميرة ما تشبهش لأمّها، هذا مش تقصير في حقها ولا خيانة ليها، حاول تخرج من دائرة الذنب."

في محاولة لتفكيك وفهم تجربتي في إعادة إنتاج دور الأمومة التقليدي، اعتقدت في البداية أنّ حالة إنكاري لفقد أمّي كانت سبباً في "ابتلاعي" لها وإرغامها رمزيّاً على البقاء[10]، فعمدتُ إلى إلغاء نفسي مقابل إحيائها ملتجئةً لمختلف الطقوس التي يمكن أن تبرهن على وجودها بيننا، كان ذلك البديل الوحيد الّذي ساعدني على العيش، فاخترت الاحتراق متبنيّةً سلوكيّات آمنت بأهميّة القطع معها.

تعرّضت للنقد ولمحاولات المرافقة والإقناع لتلقّي العلاج النفسي اللاّزم أملاً في انتشالي من العيش مع الذكريات، لم أشحن نفسي بالعزيمة الكافية حتّى أسترجع ما انتزعته مني سنوات الفقد، كنت أفشل دائماً أمام رغبتي في ترميم علاقتي مع جسدي والاستماع إليه كلّما أدركت حجم القطيعة معه، فتاة في أواخر العشرينات تحمل جسداً ستينيّاً وتحرص على تخليده وتقاوم من خلاله فرضية النسيان.

شرعت هذه المرّة في أخذِ مسافة من "ماجدة" وليس من "أمّي"، وذلك بعد أن عقدت جلسة مع نفسي وسألتها "علاش قاعدة تتعبي في التعب هذا الكلّ يا أميرة؟" حينها فهمت أنني وقعت في فخّ المنظومة الأبويّة الّتي سعت منذ الأزل إلى إحكام رسم الحدود بين الفضاء العامّ والفضاء الخاصّ، وهو ما بيّنته فاطمة المرنيسي، فحمّلتنا كنساء أعباء الأدوار الرعائيّة وجعلت من الأمومة وظيفة اجتماعيّة[11] مورِس من خلالها سلطةَ علينا وعلى أجسادنا  وعلى حريّتنا في الاختيار. ادّعيت كسري لهذه الحدود الرمزيّة بحكم امتيازاتي النسبيّة، ولكنني في الحقيقة كنت أعيد ممارسة سلطة على نفسي عن طريق عيش أمومة من داخل بنى الهيمنة أو من زاوية شديدة الارتباط بها.

أحاول من خلال هذا النصّ القيام ببعض المراجعات واقتفاء أثر صغير يقودني للتعافي من الفقد، إذ لا يمكن أن يخضع الحداد لمسار خطّي ومنتظم فلا هو معادلة رياضيّة ولا نحن بآلات مُبَرمجة، لا بأس في أن أمنح نفسي الفرصة والوقت الكافي لأحزن ولأخفق ولأستسلم، كرّست مرحلة هامّة من حياتي في رعاية الآخرين فلا بأس في أن أساعد نفسي وأن أحبّها وأن أتفهّمها.

زادت هذه التجربة إيماني بجدوى الكتابة وبقدرتها على تحجيم الثقل الجاثم على صدري، الكتابة بالنسبة لي هي شكل من أشكال التعافي، وبقدر ما مثّلت فعلاً للمقاومة بقدر ما هي أداة تسمح لي بأن أتجرأ على "طابوهاتي" وأن أكتب ضعفي بوجه مكشوف.

في نهاية هذا النصّ، وجدتني أحاول مجدّدًا الوقوف عند آثار بُنى الهيمنة على خياراتنا وأدوارنا الاجتماعية كنساء. وقد جعلني ذلك أكثر انتباهًا إلى العوامل التي دفعتني مرارًا إلى مساءلة ذاتي وتذنيبها، كلّما وُضعت تحت مجهر الأبويّة الذي ما انفكّ يرصد تحرّكاتي ويُسيّجها بتعاليمه. غير أنّني لا أخضع وحدي لعدسات هذا المجهر، فمن تحته تَعبُر مختلف النساء، الحيّات منهنّ والميّتات، لتُصاغ مصائرهنّ وفق منطقه.

لا نزال إلى اليوم نقارع قبضة هذه المنظومة وهي تستبسل في إتقان فنون التبرير والتطبيع مع العنف كلّما تعلّق الأمر بالرجال، مقابل إثقال كاهل النساء بمحاسبة مضاعفة تدفعهنّ إلى مراقبة ذواتهنّ باستمرار. ولا يتوقّف أثر هذه النظم عند حدود تشكيل أدائنا الجندري والسياسي، بل يتسرّب أيضًا إلى مؤسّسات يُفترض أنّها وُجدت لتُنصفنا، وعلى رأسها القضاء. ولعلّ تخفيف الحكم الاستئنافي الصادر في حقّ قاتل رفقة الشارني من أربعين إلى ثلاثين عامًا ليس سوى وجهٍ آخر من وجوه التطبيع البنيوي مع العنف ضدّ النساء والفتيات.

[1] ضحيّة من ضحايا قتل النساء، أصيلة ولاية الكاف من الجمهوريّة التونسيّة، قتلت يوم 11 ماي 2021. 

[2] مدينة تونسيّة تقع في الشمال الغربي للبلاد.

[3] وصف قدحي يوّجه للنساء غير الخاضعات للمعيار والرقابة الاجتماعيّة.

[4] نوال السعداوي، امرأة عند نقطة الصفر، القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006

[5] الدَّخْلَنَة (Internalization / Internalisation): يُقصد بها عملية استبطان الفرد أو الجماعة للمعايير والقيم والخطابات الاجتماعية السائدة، فتتحوّل من عناصر خارجية مفروضة إلى قناعات داخلية تتحكّم في السلوكيّات.

[6] أوردة متضخّمة وبارزة تظهر تحت الجلد، بسبب ضعف في تدفّق الدّم داخلها. (Varicose Veins).

[7] نوع من أنواع البخور.

[8] يسمّى الإفطار في تونس "شقّان الفطر".

[9] حلوى تقليديّة تصنع من بذور الصنوبر الحلبي وتزيّن بالمكسّرات.

[10] الاحتواء/الابتلاع النفسي (Incorporation): مفهوم في التحليل النفسي صاغاه Nicolas Abraham وMaria Torok، يشير إلى آلية دفاعية يتم فيها "ابتلاع" الموضوع المفقود داخل النفس دون تحويله إلى رمز أو إدراجه في عملية الحداد، وهو ما يؤدي إلى بقاء الفقد حاضرًا بشكل غير مُرمّز داخل الحياة النفسية.

Abraham, Nicolas, and Maria Torok. The Shell and the Kernel: Renewals of Psychoanalysis. Edited and translated by Nicholas T. Rand. Chicago: University of Chicago Press, 1994.

[11] فاطمة المرنيسي، ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2001.



شارك هذا المنشور