مقدمة
في منطقتنا تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية مع أنماط متجددة من القمع والعنف، وتواصل الحركات النسوية فيها البحث عن مساحات آمنة للتنظيم والعمل المشترك. وفي ظل هذا الواقع المتقلّب، تبرز الحاجة إلى مساءلة نسوية تعيد التفكير في علاقات القوة داخل الحركات نفسها، وفي كيفية الاستمرار رغم القيود المفروضة على الفاعلات النسويات. في صيف ٢٠٢٥ شكل ملتقى أيام نسوية ضمن مسار عمل تقاطعات، مساحة نادرة للتفكير الجماعي بين نسويات وناشطات من المنطقة الناطقة بالعربية في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. وبوصفي مشاركة في الملتقى وميسّرة لإحدى جلساته المخصّصة لمفهوم المساءلة النسوية على الصعيدين الشخصي والنسوي، فقد أتاح لي هذا الدور فرصة المشاركة و متابعة النقاشات عن قرب والتفاعل مع الأسئلة التي طرحتها المشاركات حول العلاقات، وتوزيع السلطة، وممارسات التضامن داخل التنظيمات النسوية.
من هنا جاءت هذه الورقة التي تبني أفكارها حول المساءلة النسوية استنادًا إلى تلك النقاشات الممتدة على مدار يومين، وإلى مراجعة مختصرة لأدبيات ومقالات نسوية تناولت الموضوع، بهدف تقديم قراءة مركّزة لدور المساءلة في سياقات العمل النسوي الإقليمي في ظل التحولات السياسية العنيفة والتحديات التمويلية.
تناقش هذه الورقة المساءلة في الأوساط المؤسساتية والمجموعات النسوية عبر ستة محاور: الموقعية، التأمل النسوي، المنظور المناهض للاستعمار، اللغة والمشاعر والهشاشة، نقد المساءلة الاستعراضية والهدف من المساءلة
لا تقدم الورقة تعريفاً محدداً للمساءلة النسوية شأننا في كتابتها شأن من سبقننا في محاولتهنّ لتفكيك واستكشاف والتشكيك بالمسلمات أكثر من الاهتمام بوضع تعريفات نهائية، إلا أنها تقدم بعض الأدوات والمقترحات لبدء عملية مساءلة مع بعض الممارسات العملية، تسعى هذه الورقة بشكل رئيسي إلى عكس النقاشات الجماعية التي دارت حول الموضوع ضمن الملتقى معتمدة على تجارب حياتية مُعاشة للأفراد والمجموعات وأفكار مَن ساهمن في هذا الموضوع، في محاولة لاستخلاص دروس منها والبناء على ما سبق من جهود.
|
توضيح: نستخدم في هذه الورقة مصطلح المساءلة بقصد ونبتعد عن استخدام مصطلح المحاسبة، إلا إذا تم استخدامه من المصدر المشار له في النص،من المصادر التي تم الوصول إليها حول الموضوع في اللغة العربية كانت ترجمة لمقالات من اللغة الإنكليزية، ارتأت الكاتبة الاستعانة بهذه المصادر لأنها تقدم نماذج عن عمليات مساءلة رغم استخدام المصدر لمصطلح محاسبة. |
الموقعية
تُعد المساءلة النسوية ممارسة سياسية وأخلاقية تتجاوز مجرد المحاسبة الإدارية أو العقابية، فهي سعي مستمر لتفكيك وخلخلة موازين القوى وإعادة تعريف العلاقات داخل العمل النسوي. لا تبدأ المساءلة النسوية من لحظة وقوع الخطأ، بل تبدأ من تحديد موقعية الأطراف المعنية في هذه العملية، أي أن ندرك مكاننا في سلم الامتيازات والظلم، علاقتنا وموقعنا من الموضوع ومدى قربنا أو بعدنا منه. فأول سؤال في عملية المساءلة ليس: ماذا فعلت؟ أو ماذا حصل؟، وإنما مَن تُسائل مَن؟ من أي موقع اجتماعي، عرقي، قومي، طبقي، جغرافي، وظيفي أو سياسي؟ مَن أُسأل؟ سبب الاهتمام بخوض هذه الممارسة؟ ومن ثم الخوض في ماذا حصل.
يعزز فهم موقعيتنا إدراكنا أن موازين القوى لم، ولن تكون، متساوية ومفهومة ضمناً، عندما نُساءل، نحن لا نُساءل كأفراد مجردات، بل كذوات تحمل تاريخاً من التهميش أو الامتياز. وبإدراكنا لذلك نرفض بالضرورة الفوقية المعرفية المسبقة والمفترضة حول أي موضوع أو تجربة أو موقف.
الادعاء بوجود معرفة محايدة أو موضوعية ترى الجميع من الأعلى أو مسافة واحدة بلا تحيز وبحيادية هو ادعاء خاطئ، تطرح المفكرة النسوية الأمريكية دونا هارواي مفهوم"المعارفالمتموقعة - SituatedKnowledges " كبديل للمعارف الموضوعية التقليدية، وتجادل بأن الموضوعية الحقيقية لا تأتي من التجرد، بل من الاعتراف بأن كل معرفة هي معرفة جزئية ومنبثقة من موقع وسياق وتاريخ محدد، وبالتالي إن مساءلتنا لبعضنا البعض لا تنفصل عن المواقع التي ننطلق منها، ولا عن الأجساد التي نحملها واللغة التي نفكر بها ونستخدمها للتواصل، بتبنينا مفهوم المعارف المتموقعة كمنظور في تحديد موقعيتنا عند مساءلتنا لبعضنا البعض تجعل من الاعتراف بحدود رؤيتنا ومعارفنا فرصة لفتح مساحات للفضول والحوار والتعلم.
تعمق الفيلسوفة والمفكرة النسوية الأرجنتينية ماريا لوغونيس هذا الطرح بفلسفتها"السفرعبرالعوالم - "World"-Travelling "، [1] فهي تروي قصة شخصية تتشابك مع رؤى فلسفية تنويرية حول الهياكل الأوسع التي تشكل حياتنا الفردية. ولأنها تأبى التضحية بعمق المعنى من أجل وضوح التعريفات، فإنها تقدم إطاراً مفاهيمياً لفهم ومعاملة بعضنا البعض بشكل أفضل، كأفراد مترابطات تحمل كل منا بداخلها "تعددية". بتبني هذه الفلسفة كممارسة من الممكن أن تصبح المساءلة النسوية فعلاً سياسياً للمحبة والرؤية من موقع الآخر، تقول "نحن معتمدات تماماً على بعضنا البعض من أجل إمكانية أن نُفهم، وبدون هذا الفهم المتبادل لسنا مفهومات، ولا نملك معنى، ولسنا صلبات أو مرئيات أو متكاملات، نحن ناقصات [معرفياً]. لذا فإن الارتحال إلى 'عوالم' بعضنا البعض سيمكننا من الوجود من خلال حب بعضنا البعض." [2]
أي أنه بدون السفر إلى عوالم بعضنا البعض ومحاولة فهم السياقات التي نأتي منها، تصبح المساءلة أداة قمع عندما تُمارس من موقع قوة وجهل بعالم الأخريات. بقبول ممارسة التنقل والسفر عبر عوالم بعضنا البعض تصبح المساءلة ممارسة نقدية للذات بقدر ما هي مساءلة للآخر، وتتحول من أداة للهيمنة إلى فضاء للتضامن والأختية، حيث لا يُمحى الاختلاف، بل يتحول إلى مصدر للمعرفة. توضح ماريا لوغونيس هذه الفكرة بقولها "السبب في أنني أعتقد أن الارتحال إلى 'عالم' شخص ما، هو وسيلة للتماهي معها، أي أننا من خلال الارتحال إلى عالمها يمكننا أن نفهم ما يعنيه أن نكون هي/هن، وما يعنيه أن نكون أنفسنا في أعينهن. فقط عندما نكون قد ارتحلنا إلى عوالم بعضنا البعض، نصبح ذواتاً كاملة أمام بعضنا البعض... فبدون معرفة "عالم" الأخرى، لا يمكن معرفتها، وبدون معرفتها، تكون وحيدة في حضور الأخرى، لأنها لا تظهر إلا بشكل خافت بالنسبة لها."[3]
التأمل النسوي
يرتبط التأمل النسوي (Feminist Reflexivity) بشكل وثيق مع فهمنا لموقعيتنا، ينطلق التأمل من تفاصيل حياتنا اليومية، بحيث نبدأ بفهم العالم من موقعنا الواقعي فيه، لنستوعب كيف تتشكل السلطة وتتكون المعرفة، بدون أن يعطينا ذلك أي امتياز معرفي، وإنما يجنبنا الاستعراض السطحي لوجهات نظرنا من خلال "العودة إلى الوراء" وإعادة تموضعنا والتفاعل بشكل أصيل وحقيقي مع رؤى ووجهات نظر الجميع.
في كتابها "النسوية للجميع" طرحت بيل هوكس مطب تحول المؤسسات النسوية إلى نسخ من مؤسسات السلطة الأبوية حين تم مأسسة الحركات التحررية، حيث تتخذ المساءلة شكلاً هرمياً استعراضياً يُقصي الأصوات الناقدة باسم المهنية أو مصلحة وأمان الجماعة. في هذا السياق، يصبح التأمل النسوي أداة تفكيك للذات، يضع الامتيازات في مواجهة التهميش، ويعيد مساءلة القيادة والسلطة الداخلية.
وتطرح هوكس سؤالاً جوهرياً، هل تتحول المساءلة إلى أداة للهيمنة الداخلية، أم أنها تفتح إمكانات جديدة للمسؤولية الجماعية؟ تقول في كتابها " لو أن جميع المفكرات النسويات قد عبّرن عن استيائهن من العنف الأبوي الذي ترتكبه النساء، ووضعنه على قدم المساواة مع العنف الذكوري ضدهن، لكان من الصعب، وسيظل كذلك، على العامة تجاهل الاهتمام المُوجّه للعنف الأبوي باعتباره أجندة ذكورية" أي أن الهيمنة ليست مجرد فعل يمارسه الآخرون ضدنا، بل هي منظومة تتغلغل في علاقاتنا الشخصية والمؤسساتية، حيث يُستخدم الامتياز كأداة لإسكات أصوات من هن في الهامش، حتى داخل الحركات التحررية. وهنا تصبح المساءلة النسوية فعل مقاومة للسلطة داخل الحراك، لا تكريساً لها.
إن التأمل النسوي يفرض التوقف عن اعتبار المؤسسة غاية في حد ذاتها وحمايتها أهم وأعلى قيمة من مساءلة الانتهاكات التي قد تحصل ضمنها، وأن تعيد النظر في منطق توزيع الموارد، اتخاذ القرار وأسلوب القيادة وتدويرها. وأن تكون أسئلة مثل: هل نعيد إنتاج السلطة الأبوية في أجساد نسوية؟ هل نسمح للهشاشة بالظهور أم نقمعها باسم الاحترافية والمهنية؟ مشروعة.
كتبت كوني برك في مقالها عن " «المحاسبة» دعوة للمراجعة والتجديد" ضمن سلسلة المحاسبة المجتمعية.. هكذا تحدث بشكل عملي، مجموعة من الأسئلة التي تساعد في ممارسة تأمل نسوي حقيقي خاصة في مساءلة العنف، كأن نسأل: مَن الذي يحظى بتصديق أقواله في أوساط الناشطين، ومَن الذي يُكذَّب؟ بل أي صور الأذى نعالج؟ التسلُّط والاستغلال والتجبُّر؟ أم -نعالج- أنواعًا معينة من العنف؟ أم ممارسة الامتيازات أو مجرد وجودها؟
يساهم التأمل في تفكيك هرمية السلطة، والاعتراف بأن المعرفة جزئية (partial)، والانتقال من المساءلة من موقع عالي عاجي إلى العمل مع الأفراد على مستوى متقارب.
منظور مناهض للاستعمار: تفكيك الأدوات
في مقال آنا كلاريسا رُها دُراسو "بينأيدينا" هكذاقامالطّلبةبـ "المحاسبةالمجتمعية"، الذي يروي تجربة صف جامعي واجه اعتراف أحد الطلاب بارتكاب عنف جنسي، مما دفع المجموعة إلى تطبيق مبادئ المحاسبة المجتمعية عملياً بدلًا من مجرد دراستها. حيث تحولت الحصة الدراسية إلى مساحة جماعية للتأمل والمساءلة، سعى خلالها الطلاب إلى موازنة الاعتراف بإنسانية المعتدي مع وضع أصوات ومعاناة الناجيات في مركز العملية، في محاولة لبناء حيز للتغيير الجذري والتعافي الجماعي. وضحت أن التحول الجذري لا يمكن أن يحدث إلا عبر التضحية بجزء من الذات أو الذوات التي لم يعد لها دور في المسار الجديد، فعملية تفكيك الاستعمار تتطلب مواجهة الجوانب الضارة واقتلاعها من جذورها، وهي مهمة لا تخلو من الألم والمشقة. تشير إلى أن هذه الرحلة محفوفة بالمخاوف، إذ أن ما ينتظرنا في نهايتها غير واضح، وإن وجدت بعض العلامات التي تهدينا الطريق، تبقى المحطات التي نعبرها غامضة. وتلفت إلى أن الخوف يتغذى من تجارب الصدمات السابقة واحتمالية حدوث صدمات جديدة مستقبلاً. تقول " ولا ريب أن عملية المحاسبة تقوم على الشجاعة في مواجهة التوتر والغثيان، واضطراب الكلمات والحركات، ولحظات الصمت الثقيلة، وما يخلف تتابع ذلك كله من تعب. لكننا اجتزنا اللحظات الصعبة، كأنما نزلت على صفنا السَكينة، بل إننا حظينا ببعض لحظات الخفة والضحك؛ شعورنا بهدفنا وبأننا ماضون نحو التغيير قوّى فينا العزيمة والهمة التي بددت الخوف. هكذا هو ثقل المعاناة – في التشكيلات الجمعية والممارسات المشتركة – تقابله وتماثله الخفة التي يحملها أمل التعافي والتغيير الجذري."
ويفتح التساؤل حول ماهية الأدوات المستخدمة في التنظيمات النسوية، لا سيما المؤسسية منها، نقاشاً جوهرياً حول المضمون الحقيقي للمساءلة النسوية: ما جدوى مساءلة تُمارس عبر أدوات مستعارة من أنظمة استعمارية أو أبوية؟ وما القيمة الفعلية للسياسات الداخلية والإجراءات الإدارية والتقارير الرسمية والإيميلات واللجان، إذا كانت تكرّس منطق الدولة القمعية ذاته داخل فضاء الحراك النسوي؟ وتسعى لتكريس وجهة نظر من يملك استخدام هذه الأدوات وإرهاق من هن أقل معرفة في استخدامها أو حتى في الوصول لها، إن إعادة إنتاج الهياكل السلطوية بأدوات جديدة يدفعنا لمساءلة ليس فقط الأفعال بل أيضاً الوسائل، وإعادة التفكير في مدى قدرتها على تحقيق العدالة وتحول حقيقي داخل العمل النسوي.
هنا، يُعبِّد نقد أودري لورد الصريح أن " لا يمكن لأدوات السيد أن تهدم منزله" طريقاً لنا لإعادة التفكير بالأدوات التي غرقنا في استخدامها دون مساءلتها ونقدها والبحث عن أدوات مساءلة منبثقة من تجاربنا المحلية وتراثنا من لغاتنا وعلاقاتنا مع أهمية تطويرها ونقدها، بدلاً من الاعتماد على أدوات مستوردة من أنظمة صُممت أصلاً للإقصاء أو للاستعراض.
فقد قدمت الإبادة الأخيرة على غزة والتي بدأت في ٢٠٢٣ دليلاً واضحاً على استعمارية الأدوات المستخدمة في العمل النسوي العالمي، إذ فُرضَت معايير مساءلة معينة على الناشطات والمؤسسات النسوية المتضامنة، حيث جرى توظيف مفاهيم مثل الاحترافية والموضوعية كوسائل لإقصاء النساء اللاتي يعشن في سياقات معقدة، ما أدى إلى تهميش أصواتهن وتجاربهن تحت ذريعة المعايير المؤسسية وعقاب المجموعات النسوية التي أعلنت تضامنها بحرمانها من التمويل وإقصائها.
وقد كان هذا اختباراً عملياً لكيفية مساءلتنا لنسويات العالم الشمالي اللواتي يحتكرن التمويل والموارد ضمن مؤسسات نسوية وحقوقية؟ وكيفية مساءلة رفيقاتنا والمجموعات النسوية التي قبلت بتمويل يفرض بحجة الاحترافية عدم التصرف تجاه إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية والتخلي عن المسؤولية تجاه من يعيشون الإبادة.
ما يفتح الباب للمزيد من الأسئلة الأكبر، كيف يمكن إعادة تخيّل أدوات المساءلة النسوية بحيث تضمن التضامن الحقيقي مع الشعوب المضطهدة، وتكسر أطر الهيمنة المؤسسية التي تعيد إنتاج الاستعمار بأقنعة جديدة؟ وهل نستطيع ابتكار معايير مساءلة منبثقة من تجارب المقاومة، بدلاً من الاكتفاء بتطبيق معايير مفروضة لا تعكس واقعنا ولا تطلعاتنا؟
اللغة، المشاعر، الهشاشة
في عمق النقاش حول المساءلة النسوية، تجلت اللغة كقوة مؤثرة، فهي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة تُوظف لتشكيل موازين القوى. كثيراً ما تتحول الكلمات والمصطلحات إلى ساحات معارك خفية، يُعاد فيها رسم حدود الانتماء والإقصاء، إذ يُسبغ على الخطاب طابع من الاحترافية الظاهرية أو يُلجأ إلى زخرفة الأسلوب كوسيلة لإبعاد بعض الأصوات وتهميشها.- فكم من مرة تحولت لغة المساءلة إلى وسيلة تعنيف وقمع، استُخدمت فيها اتهامات مثل "العمالة" أو "انعدام المهنية" "لست نسوية" كأحكام نهائية أدت إلى إقصاء النساء وزرع الانقسامات داخل الحراك النسوي؟
للخروج من ذلك النمط، طرحت بعض النسويات أداة عملية لاستخدام لغة وصفية تركز على الفعل وظروفه، بعيداً عن وصم الأشخاص أو تثبيت صور نمطية. فبدلاً من إصدار أحكام مثل "أنتِ سارقة"، يصبح الحوار أكثر إنصافًا حين نطرح أسئلة تساعدنا على فهم دوافع الفعل وسياقه، مثل: "ما الذي دفعكِ لأخذ هذا المبلغ؟". هنا، تتحول اللغة إلى وسيلة للتقارب والفهم، لا أداة للانتقام أو فرض الهيمنة. وتساعد لغة الخطاب هذه إلى تجنب تعزيز علاقات السلطة أو ترسيخ الهيمنة، وتسعى إلى خلق مساحة من التعاطف والفهم المتبادل، حيث تصبح اللغة وسيلة لتقريب وجهات النظر وتحليل الأسباب البنيوية وراء السلوك أو الفعل، وليس أداة للانتقام أو التشهير.
تحمل اللغة مشاعرنا أيضاً، من هنا تأتي أهمية الدعوات التي أطلقتها مفكرات نسويات، مثل بيل هوكس، لخلق بيئة مؤسسية نسوية تحتضن الهشاشة وتعتبرها جزءاً من التجربة الإنسانية المشتركة وتتبنى سياسات التعاطف، بحيث تتحول الأخطاء إلى فرص للتعلّم الجماعي بدلاً من أن تُجرَّم كأفعال فردية تستدعي الطرد أو التشهير. فالمساءلة التي تفتقر إلى الرعاية الجماعية تنزلق إلى أن تصبح أداة جديدة للإقصاء وتفتيت النسيج الجمعي للحراك النسوي. كما أن مشاعر مثل الغضب والحزن والخوف والهشاشة، ليست مجرد مشاعر فردية، بل تحمل بعداً سياسياً يجب نقله من الحيز الخاص إلى الحيز العام، مع ضرورة الانتباه للهشاشة المصطنعة التي قد تُستغل كوسيلة لإنهاء النقاش وتحويل التركيز من الضحايا إلى المعتدين، مستعينة هنا بالمثل الشعبي "ضربي وبكى سبقني واشتكى" كمثال للتنبه للهشاشة المصطنعة.
تدعونا كوني برك في مقالها عن "المحاسبة" إلى المراجعة والتفكير النقدي بأن آليات المحاسبة المجتمعية كثيراً ما تُعتبر دخيلة وبدعة ثقيلة على المجتمعات، حيث يشعر البعض بأن لغتها وأُطرها مستمدة من سياقات خارجية كالعلاج النفسي أو المنظمات غير الربحية أي أفكار الطبقة الوسطى، وليست نابعة من مصادر معرفية محلية متنوعة. ومع أن هناك محاولة لاستخلاص أفكار للمحاسبة من الثقافات المحلية كما دعت بل هوكس سابقاً، إلا أن هذه المحاولات تواجه تحديات، لأن كثيراً من ممارسات المحاسبة التقليدية اندثرت أو لم تُدرَك كاملة في سياقاتها، وغالباً ما بقيت نظرية دون تطبيق عملي ناجح.
المساءلة الاستعراضية
تواجه المؤسسات النسوية تحدياً جوهرياً وهو تجنب تحويل المساءلة إلى استعراض بيروقراطي لإرضاء الممولين أو تصفية الحسابات الشخصية، حذرت بيل هوكس من ترويض النسوية داخل المؤسسات، حيث يتحول التركيز من التحرر إلى الاستدامة والأمان الوظيفي والمالي والاحترافية الزائفة، وتُستخدم اللوائح كأدوات للعقاب والتخلص والإقصاء بدلاً من النمو والتعلم. في هذا السياق، تصبح المساءلة الاستعراضية جزءاً من نظام الهيمنة، وتعيد إنتاج الظلم الطبقي والعرقي.
انتقدت هوكس ظاهرة "النخبوية المعرفية" التي تنتجها المؤسسات، حيث تصبح المعرفة أداة لتمييز طبقي وعزل النساء عن الحراك الحقيقي. وتؤكد أن الخوف من المواجهة الصادقة يدفع إلى انسجام زائف يغلق الباب أمام النقد الذاتي والتجدد. المساءلة الاستعراضية تهتم بسمعة المؤسسة أكثر من سلامة الأفراد النفسية، وتتحول إلى فضاء للإقصاء والتشهير، لا لبناء بيئة عمل آمنة وداعمة.
إن المؤسسات التي تدعي النسوية بينما تمارس الإقصاء بناءً على تقارير كيدية أو مساءلة استعراضية، هي مؤسسات تُعيد إنتاج الاستعمار في قلب الحراك. المساءلة النسوية كعملية مطالبة اليوم بابتكار آليات واضحة تضمن أن الاختلاف في الرأي أو السياق لا يتحول إلى اتهامات أو تشهير يدمر الأفراد والجماعات.
توضح كوني برك أن المجموعات الناشطية تعتقد أنها محمية من التغرير والتلاعب، لكن هذا خطأ، وفيه غرور، لأن تلك المجموعات أقل حصانة كونها الأكثر اهتماماً بما تفعله أنظمة القهر القائمة في عالمنا وأثرها في تشكيل الأشخاص، تقول " إننا أكثر عرضة من غيرنا للوقوع ضحية التغرير الذي يمارسه المُنتهِكون لأننا أكثر الناس تعاطفًا لما يتعرّضون إليه من قمع مؤسسي وأقدرهم على إبصار ظلم الأنظمة لهم، فحسُّ التعاطف عندنا يجعلنا لا نرى أن المقهور قادر على انتهاك غيره، ولا ننتظر منه الاعتراف بمسؤولية ما يرتكبه من انتهاك."
الهدف من المساءلة
في نطاق العمل النسوي المؤسساتي تُّطرح مفاهيم عدالة متعددة بهدف استكشاف ما هو الأكثر عدلاً لكل حالة على حدة ، منها مركزة الضحايا والسعي إلى تحقيق العدالة التي تراها الضحية مناسبة لها مع "عدم ترك أحد في الخلف"، أي إهمال أحد الأطراف المنخرطة في عملية المساءلة حتى الشخص الذي ارتكب الخطأ. لا تفترض النسويات في نقاشهن أن عدم ترك أحد في الخلف مسامحة مجانية وترميم استعراضي، بل قرار ومسؤولية جماعية.
وهنا تظهر مستويات متعددة من الأهداف التي تحاول النسويات استكشافها منها السعي إلى عدالة مجتمعية تسعى إلى جبر الضرر والدعم وترميم العلاقات المكسورة والإصلاح، ومحاولة صادقة لخلق بيئة أكثر أماناً وشجاعة تمنع تكرار الأذى.
بحسب كوني برك طُرحت المحاسبة المجتمعية في أوساط الناشطين بوصفها بديلًا يُستعاض به عن مؤسسات إنفاذ القانون والنيابة عند معالجة الأفعال المؤذية داخل الجماعة. بعض النشطاء يختارون المحاسبة المجتمعية رفضًا للنظام الجنائي في المقام الأول، إذ يمسي الامتناع عن اللجوء إلى الشرطة معيارًا للتعبير الصادق عن الواقع المَعيش (radical realness). وتضيف أنهم، أي الأوساط الناشطية. لا يلجؤون إلى المحاسبة المجتمعية إلا عند معالجة العنف المُجندَر كالاعتداء الجنسي مثلًا، أو التحرش، أو التتبُّع والملاحقة، أو العنف الأسري، ولا تُعقد عمليات المحاسبة لغير ذلك من أوجه الأذى إلا فيما ندر. وحين تجعل الجماعة المحاسبةَ المجتمعيةَ رفضاً لنظام العدالة الجنائية ومعياراً للتعبير الصادق عن الواقع المَعيش يأتي من جراء ذلك: انطباع خطأ بأن المحاسبة المجتمعية قادرة على درء مضارَّ نظام العدالة الجنائية، وإلزام للنساء بتحمُّل القسط الأكبر من العبء في مَسير الجماعة نحو تعلُّم آليات المحاسبة.
وبحسب كوني تسعى المحاسبة المجتمعية إلى الاستفادة من بعض جوانب عمل مؤسسات إنفاذ القانون، مثل إيقاف الأفعال المؤذية وتحديد المسؤولية، لكنها تعمل خارج إطار الدولة. رغم النوايا الحسنة، إلا أن هذا الأسلوب لا يمنع تكرار الضرر الذي يُسببه نظام العدالة الجنائية للناجيات والمُحدثين للأذى على حد سواء. فالمحاسبة المجتمعية، وإن بدت بديلًا أفضل، إلا أنها ليست مثالية، إذ كثيراً ما تكرر أنماط الأذى نفسها، مثل إرهاق الناجيات، وانقسام الجماعة، وتركيز الاهتمام والموارد على من تسببوا بالأذى، مما يؤدي إلى استمرار معاناة الضحايا وصعوبة تحقيق العدالة الحقيقية أو الإصلاح المأمول.
في حين تذهب مجموعات أخرى نحو العدالة المؤسساتية التي تتبنى العقاب كسبيل لتحقيق لعدالة والتي تنحصر في البحث عن الجاني وعزله. وتستخدم السياسات والأوراق والقوانين كبوصلة دون محاولة لفهم سياق كل حالة.
يحصل أيضاً في الأوساط النسوية والحقوقية عند وقوع خطأ، اللجوء إلى الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي تحديداً التي تتحول أحياناً إلى ساحة للمحاكمات العلنية وأحياناً أخرى أداة ضغط لدفع عجلة المساءلة ، حيث تصبح تلك المنصات المساحة الوحيدة التي يمكن للأفراد مجابهة وفضح تجاوزات المؤسسات أو الشخصيات العامة ذات الحصانة الاجتماعية، وهنا يكون الفضاء الافتراضي مساحة لمن ضاقت بهنّ السبل في مساءلة الضرر الذي وقع عليهن. هذا الخيار لا يتيح في أغلب الأحيان فرصة للتعلم أو الترميم، بسبب سرعة انتشار الخبر وتحميله تأويلات وإضافات، وخلق ثقافة التشهير والطرد عند الإعلان عن عنف أو خطأ عبر هذا الفضاء، وغالباً ما يؤدي هذا الخيار إلى اغتيال الشخصيات وإنتاج مزيد من الخوف والعزلة والانقسام.
تضمن "ميثاق المبادئ النسوية للنسويات الأفارقة"، الذي اعتُبر من الكثيرين آلية محاسبة للتنظيم النسوي الأفريقي، مجموعة أخلاقيات مؤسسية، تضمن الميثاق دعوة للصراحة والشفافية والمساواة والمساءلة في المؤسسات والمنظمات النسوية، والتأكيد على أن كون المؤسسة نسوية لا يتعارض مع كونها مهنية وفعالة ومنضبطة وخاضعة للمساءلة.
إحدى المساهمات في كتابة الميثاق هي شاميلاه ويلسون من جنوب أفريقيا، تؤكد على أن المساءلة التي تفتقر إلى الرعاية الجماعية تتحول إلى أداة للطرد والإقصاء، تقول " في عملنا، المساءلة هي المفتاح وليست المثالية، نحن نرتكب الأخطاء، ولكن التزامنا بالتعلّم، والتخلّي عمّا تعلمناه سابقاً، واحتواء بعضنا البعض برعاية، هو ما يمنحنا القدرة على الصمود، فالنمو الحقيقي يحدث في قلب الفوضى."
الخلاصة، المساءلة النسوية ليست إجراءً عقابياً أو إدارياً، بل ممارسة ثورية تضع العدالة والتحرر من الأبوية بكل أشكالها وممارساتها في مركز الفعل النسوي، تبدأ المساءلة من الوعي بالموقعية وتفكيك علاقات القوة، وتستند إلى ممارسات التأمل النسوي الذاتي والجماعي لخلق بيئة لبدء عملية مساءلة صادقة، وتعيد ابتكار الأدوات واللغة بما يشبهنا ويعبر عن تجاربنا وتفتح المساحة لكل المشاعر، وتعي أن هدفها ليس التشهير أو الطرد، بل الوصول إلى عدالة تجبر الضرر وتضمن الأمان للجميع.
وفي مواجهة المساءلة الاستعراضية، تدعو النسويات إلى مساءلة قائمة على الرعاية الجماعية، تتيح مساحة للأخطاء والهشاشة والتعلم المستمر، وتبني بيئة تسمح بالنمو والتحرر. إن مساءلتنا لبعضنا البعض هي فعل حب ثوري، دعوة للنمو الجماعي والتعلم. المساءلة النسوية ليست نهاية الطريق أو غاية بحد ذاتها وإنما بداية لحوار صعب، ولكنه ضروري، بداية نقد ذاتي يفكك المسلمات، وبداية لبناء آليات تضمن ألا يتحول الحراك النسوي إلى نسخة أخرى من أنظمة القمع التي نناضل ضدها.
[1] في عام 1987، نشرت الفيلسوفة النسوية الأرجنتينية المقيمة في الولايات المتحدة، ماريا لوغونيس، مقالاً بعنوان: "اللعب، والسفر بين العوالم، والإدراك المحب" وفي هذا المقال طرحت مفهوم السفر بين العوالم.
[2] نفس المصدر، ترجمة الكاتبة.
[3] نفس المصدر، ترجمة الكاتبة.