Skip to Content

In profiting the market from your isolation

January 15, 2026 by
ميار سامي - Mayar Sami

أشعر أنني خارج الزمان والمكان في كل مرة أتصفح مواد وسائل التواصل الاجتماعي. وكأن هناك عالماً كاملاً يتحرّك، أما أنا، أقف وأشاهد. تتراكم الأصوات والمشاهد والكلمات بسرعةٍ فائقة، دون أدنى فرصةٍ لعقلي أن يبدأ بفهم ما يدور من حوله أو يهضمه، وكأن الزمن متجمّدٌ داخليّاً.

في وسط هذه الزحمة، أجساد نشطة تمارس الرياضة يوميّاً، روتينٌ صباحيٌ مدروسٌ بدقّة مليءٌ بالألوان، وحياةٌ جميلةٌ ممتعة. تجعلني أتساءل، هل أنا سبب تعاستي لأنني لا أملك نظرةً "إيجابيةً" كافية؟ هل أنا "نكدة"؟ هل صحيح أن عليّ الامتثال لنصائح "كوني قوية، أنت بتقدري تغيّري"؟ ثم تظهر على الشقّ الآخر الإبادة المصوّرة مباشرة، فأفقد لغتي تماماً، لا أملك أي كلمة حتى خلال حوارٍ داخليٍ مع ذاتي، وكأنّ الحروف تهرب مسرعة، قبل أن أمسك بها لأحاول فهم هذا العالم وتفسيره.

وبين الشقّين، مشاعر ذنبٍ ومسؤوليةٌ فرديةٌ قاتلة، تجاه خليطٍ هائلٍ من مشاعر مليئةٍ بالألم النفسي، دون امتلاك كلماتٍ كافيةٍ لوصفه. ففي كل مرّة أحاول اللجوء لمساعدة نفسيّة يتم إخباري بأن عليّ أن ألهي نفسي في العمل، أو أي نوع من الإنتاج يشعرني ب"قيمتي" في الحياة. ما يعزّز شعوراً أكبر بالذنب، وشعوراً بأن هذا الألم غير شرعيّ، ولا يملك سبباً "حقيقيّاً".

أحاول في هذا النص أن أفهم قوانين الألم النفسي ومقاييس شرعيته، وأن أفكك أبعاد ما تشبعنا به مواقع التواصل الاجتماعي من ممارسات تتحدث باسم الصحة النفسية، التي تشكّل العين التي ننظر إلى آلامنا من خلالها. أفكّر في تجربتي الشخصيّة، وأحاور صديقات من لبنان وفلسطين حول رحلاتهنّ في التشخيص النفسيّ والعمل في قطاع الصحّة النفسيّة، مقابل ما يواجهنَه من عدم شرعنةٍ وثقافةٍ تأمرهنّ بأن يُصبحن أكثر تفاؤلاً، على أمل أن أجد في جعبتهنّ ما فقدته أنا من كلمات.

فهمٌ رأسماليٌ للصحة النفسية

عادةً ما يتساءل من حولي من صديقات وأصدقاء حول هروبي من مجال علم النفس بعد دراسته والعمل فيه لعدد من السنين، أول ما أفكر فيه عند محاولة الإجابة هو حوارٌ دار بيني وبين إحدى مدرّباتي على العلاج النفسي، أخبرتني فيه أن عليّ أن أقنع أم الشهيد أن هناك معنىً للحياة. قالت لي بأنني يمكنني أن أخفف على أم شهيد لم تتمكن من توديع جثمان ابنها المحتجز في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأن عليّ أن أخبرها أن الحياة من الممكن أن تكون جيّدةً وجميلة، "إنها مسألة وجهة نظر فقط"! كما أخبرني أحد الأساتذة مرّة أن علينا كفلسطينيين وفلسطينيات أن نعتبر الحاجز جزءاً من يومنا لا مفر منه، "فبدلاً من الغضب اليومي، لمَ لا نعتبره جزءاً طبيعيّاً". يتمليء رأسي دماً يغلي، وغضباً لا أستطيع تفسيره في كل مرة أستذكر هذين الموقفين، ويبدوان كأنهما سببان كافيان لتبرير هروبي، على الأقل شخصياً.

هذا الهروب الشخصي ليس رفضاً قاطعاً لمجال الصحة النفسية، لأن ذلك سيتضمن معنى بجمود هذا المجال داخل قالب ذو شكل واحد غير قابل للحركة، وهذا غير صحيح ابداً. لذلك، من المهم أن نموضع هذا المجال مكان المساءلة والتفكيك، حتى نتمكن من التفكير والبحث أيضاً عن أشكال أخرى للعلاج النفسي البديل الذي يتجاوز النموذج الرأسمالي له، بل ويعمل على مناهضته بشكل فعلي، والبحث عن وكالتنا وقدرتنا أيضاً على خلق هذا النموذج البديل في واقعنا المعاش. ولهذا، علينا أن نعود للوراء قليلاً لفهم البنى المعرفية الذي تشكّل واقع اليوم بأبعاده النفسية والاجتماعية، حتى نتمكن من تجاوزها.

في كلّ مرّة كنتُ أعود فيها  للمراجع الأساسية في تشخيص الاضطرابات النفسيّة، كنت أشعر بأنني مغفلة أكذّب على نفسي وعلى المنتفعات/ين، وكأنني أصدّر أوهام مخدّرة، حيث تُعاد صياغة الألم النفسي ضمن معايير السوق ومعدلات الكفاءة الفردية داخل السياق الرأسمالي المعاصر، الذي يركّز على الناتج النهائي بغض النظر عن ظروف إنتاجه. تتجلّى هذه النزعة بوضوح في المراجع الأساسية التي تُستخدم كأدلةٍ تشخيصيّة لتحديد ماهية الاضطرابات وأعراضها، ففي أحدث كتاب معتمد لتشخيص الاضطرابات النفسية الDSM-5[1]، نلاحظ أنه يركّز خلال تشخيصه على أعراض انسحاب من الإنتاجية أولاً، أي يجعل من الخلل الوظيفي المهني ومن ثم الاجتماعي معياراً أساسياً في تشخيص الاضطرابات الانفعالية وخصوصاً الاكتئاب، ما يجعل متطلبات العمل شرطاً أساسياً لأخذ الحالة بعين الاعتبار وأخذها على محمل الجد!

في موضعة الإنتاجية كمعيارٍ فارق بين ثنائية "السوي نفسياً" و"غير السوي نفسياً" تصنع نموذجاً ما يجب أن نكون عليه وهو نموذج "أصحاء نفسياً" نركض داخل عجلة سريعة من الإنتاج لإبقاء النظام الرأسمالي قائم. إن هذا النموذج يُموقع الألم النفسي داخل ما هو "غير طبيعي"، ويسحب منه وصفه كردّة فعل طبيعية داخل سياق سياسي اقتصادي أقل ما يمكن فيه هو أن نشعر في داخله أننا لسنا بخير. ففي موقعة الألم النفسي داخل معايير الإنتاجية وسرعة السوق الرأسمالي، تجاهل تام للسياق الاقتصادي والسياسي، السبب الأول والأساس في خلق هذا الألم، وتحوّل التركيز إلى عارٍ فردي.

إن خلق هذه الدائرة الضيقة ليس صدفةً أو عبثاً، بل هي أولوية أولى للنظام الرأسمالي حتى يحافظ على نفسه وبقائه، فعدم الإنتاجية والحاجة للعناية النفسية تشكّل تهديداً وعقبات في طريق سير السوق.  لأنها الكاشف الأول لسياسات النظام السياسي والتناقضات الاستعمارية، كما هي كاشف أساسي لفشل النظام الاقتصادي القائم، ولهذا السبب بالذات من الأسهل والأذكى أيضاً على النظام أن يحوّل التركيز وأن يقنع كل من تلجأ منّا لمؤسسات الصحة النفسية بأن المشكلة فردية ومسؤوليتها وحدها فقط، حتى نغرق في هذا الخوف دون مساءلة الصورة الأكبر. كما أن حاجتنا للعناية النفسية تخلق اضطراباً في سير الرأسمالية السريع، لأنها في الحقيقة تتطلب بطئاً لا يوفّره النظام الرأسمالي لأنه لا يمتلك الوقت له ولا يسمح به، تبعاً لتصميمه الذي يتطلب الإنتاج بأكبر كمّ داخل أقل إطار زمني، بالإضافة إلى أن العناية النفسية تتطلب عناية جمعية لا تلوم الفرد ولا تتركه وحيداً في مواجهة شعوره، ما يتطلب مجهوداً جماعيّاً، وبهذا تتموقع الحاجة للعناية النفسية في مكان مكلف مادّياً[2] على هذا النظام.

أنا المذنبة

إن هذا الفهم الرأسمالي للصحة النفسية ليس فقط لا يعالج الأسباب الحقيقية لهذا الألم النفسي، بل هو أيضاً يحاول تغييب هذه الحقيقة، بالإضافة إلى أنه يتعمّد أن يصنع آلاماً جديدة مُثقلة أكثر مليئة بالشعور بالإخفاق الفردي وعدم الكفاءة الفردية. حيث يحمل هذا التعريف للصحة النفسية معنى ضمني يقول أن شعورنا هو مسؤوليتنا نحن، وأن علاجها هو جهد ذاتي، وأن عدم الإنتاجية وعدم رغبتنا بذلك تجعل منّا أشخاصاً غير أكفاء للوجود في هذا العالم، ما يعمّق من مشاعر العزلة والانعزال، ويخلق دائرةً ضيقةً خانقةً تجعلنا نكذّب أنفسنا وآلامنا ونقلل من أهميتها.

يحيلنا ما سبق إلى التفكير في بعض الممارسات الحالية داخل فضاء الصحة النفسية والرفاه النفسي، كالثقافة الإيجابية التي غزت عالمنا الرقمي، والتي هي نتاجٌ مباشرٌ للنظام الرأسمالي الذي يحاول تقويض كل الطرق البديلة للشفاء النفسي. إن الثقافة الإيجابية ظاهرةٌ حديثةٌ نلاحظ حضورها المكثّف خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تحاول صنع شعور دائم بالإيجابية المفرطة بغض النظر عن الظروف المحيطة بالفرد، وتتطلب إبداء مظهر متفائل في كل الأوقات خارجياً حتى في حال كانت المشاعر الداخلية نقيضة لذلك.

تعمل هذه الثقافة على عدّة مستويات، فتخلق حفرة إنكارٍ وكبت، تجعل من المشاعر السلبية التي قد نشعر بها محط "غير الطبيعي"، أو ما لا يجب أن نشعر به. تشاركنا يمنى، نسوية عشرينية بدوية أردنية، تعيش في فلسطين المحتلة، مشهداً من يومها، فتقول: "يعني أنا في الطريق لحياتي كل يوم بوقف على حاجز ساعات بيخليني أبطل حاسة إني إنسانة أصلاً، أنا ببطل إنسانة، ولسا مطلوب مني أحس إنه اه يلا تمام الحياة حلوة، عادي أكون سلبية مسموح، انتو شايفين أنا وين عايشة؟"

يمكنني تفهم  هذه الثقافة وتفكيكها، -موضوعيّاً، وبعيداً عن الحكم الأخلاقي بخصوص صحّة أو خطأ هذه الثقافة-، على أنها قد تكون ملجأً أو مهرباً. إلا أن هذا الإنكار لمشاعر طبيعية يحرمنا من التجربة الإنسانية[3] بما تحمل، ما يخلق مسافةً واغتراباً بيننا وبين ما نريد أن نشعر به حقّاً. تخلق ممارسة عدم الشرعنة المستمرة لأي شعور "غير إيجابي" شعوراً أكبر بالذنب الفردي، كونه يصنع ثقلاً ومهمّة جديدة، أي يصبح عملاً عاطفياً نفسياً جديداً يتطلب جهداً منافٍ تماماً للواقع. كما تعمل هذه الثقافة كمخدّر موضعي، تصنع أسباباً وهمية لتدني الرفاه النفسي، محاولةً من خلال ذلك غض البصر عن كل ما هو قائم من فشل المنظومة الاقتصادية والسياسية، وأسباب تدني مستويات الرفاه النفسي الحقيقية.

قفص البيض والأفوكادو

جاء حديثي مع يمنى بهدف التفكير في ثقافة ومفاهيم الصحة النفسية التي تبثّها مواقع التواصل الاجتماعي، يجدر بنا في هذه المرحلة أن نفتح الأفق عند التفكير في هذه المفاهيم، ونمتد إلى ما هو أوسع من دائرة مؤسسات الصحة النفسية بمعناها الإداري، والنظر إلى الدور الذي يؤديه أيضا "سفراء" هذه المؤسسات والمتحدثون/ات باسمها وعنها. أحاول من خلال هذا التعريف أن أشمل كل الممارسات والمواقف التي تبدو هامشية إلّا أنها تخلق أثراً كبيراً في لغتنا التي نفكر عن أنفسنا من خلالها، هادفةً من خلال ذلك إلى التلفّظ بما هو غير مرئي وغير محكي. فمفاهيم الصحة النفسية غير نابعة فقط من مؤسسات الصحة العالمية أو المحلّية بالضرورة، بل هي أيضاً نتاج ثقافي متشكّل ومتحرّك، ويحتمل تعددية المصادر، فنحن كأفراد نساهم في تشكيلها وخلقها، سواءً من خلال مواد و/أو محتوى متكرر ننتجه أو نتعرض له بشكل يومي، أو من خلال مواقف يومية قد تتعرض لها أيّ منّا تعزز مشاعر الذنب والعجز، و/أو أي حديث إقصائي حول ما نشعر به، والذي قد يحدث أيضاً داخل علاقات مقربة/حميمة.

إن كل ما نعيشه من تجربة اجتماعية مهما بدا بسيطاً يشكّل ويصنع الجهاز اللغوي وقاموسنا الخاص، ويصبح هذا القاموس هو ما نشعر ونفكر عن أنفسنا من داخله ومن خلاله، كما نتحرّك في وسطنا الاجتماعي من خلاله أيضاً، هذا بالتحديد ما يخلق مشاعر الذنب، حيث يستمر فضاء الصحة النفسية -بحسب التعريف السابق- باستخدام خطاب المسؤولية الفردية واللوم الفردي والإخفاق، والذي يصنع مع الوقت والتكرار قاموسنا اللغوي الذي يصبح هو المعيار والقالب الذي نعجن أنفسنا لنتّسع داخله ونتشكّل بصورته.

عبّرت يمنى "كنت بحس ازا ما بفطر بيض وأفوكادو الصبح يعني أنا فاشلة"، يحمل هذا التعبير ما هو أبعد من كوميديا أو مزاح بسيط، ويمتد إلى ما نستدل منه على منظومة سلوكيات يومية أصبحت هي المعيار والمحدّد للقيمة الذاتية للشخص/ة. إن ثقافة الـ "morning routine" - كما عبّرت يمنى-، التي امتلأت بها السوق الرقمية في السنوات الأخيرة جعلها تشعر بواجب أخلاقي تجاه نفسها يتمثّل بسلوكيات يومية تجمع مسؤوليات يومٍ كاملٍ داخل فيديو غير واقعي لا يتعدى العشرين دقيقة، يدّعي فيه توفير وصفة سحرية لحياة مثالية تضمن رفاهاً نفسياً متوازناً.

المثير للرعب في هذه الحالة التي قد تبدو بسيطة، ليس فقط أن فعلاً كأكل البيض والأفوكادو بالضرورة لن يساهم في تعديل ما نشعر به من اختلالٍ نفسيٍ أو اضطراباتٍ مزاجيةٍ انفعالية -مع التأكيد على الإدراك الواعي بعدم جدواه حقيقةً-، بل أن هذا الفعل يتحول أيضا إلى عبء آخر يثقل كاهل النساء اللواتي يعانين من مشكلة غير مسمّاة بعد، أي إنه يتحول إلى واجب أخلاقي محفور في الذهن يؤدي إلى شعورٍ سيءٍ أكبر في حال عدم تلبية متطلبات هذا المعيار والتقولب داخله. إن بث شعور من المسؤولية الفردية -أشبه بالإخفاق الفردي تجاه ما نشعر به- يصب جهد محاولات التحسّن  باتجاه خاطئ، ما يساهم في تعميق هذا الثقب الأسود الذي نعيش داخله، نحن من نشعر أننا لسنا بخير.

تنظر يمنى إلى المعادلة هذه بمنطق ميزانٍ يساعدها على التفكير في جدوى الأفعال اليومية مقابل حجم شعورها السيء ومستوى الرفاه النفسي، تعبّر عن ذلك قائلة "أنا لو بدي أقتل حالي، الجيم (النادي الرياضي) ما رح يمنعني، مش رح يقدر يصلّح دماغي". وهو ما جعلها تسعى للبحث عن إجابات حول ما تشعر به وتسمية له، لجأت يمنى لستة معالجين/ات نفسيين/ات بحثاً عن إجابة تفيدها، إلّا أنها واجهت ما عبّرت عنه بالـ"استتفاه" أي التسخيف من شعورها ومن الأعراض التي تعبّر عنها، كما قام بعض المعالجين/ات بالربط بين اضطرابها الانفعالي وجوانب من هويتها تتعلق بحياتها الشخصية، ما تركها وحيدةً مع مشاعر سيئة لا تجد لها أي مسمّى، وشعوراً أكبر بالذنب وجلداً للذات كونها اقتنعت بأنها غير قادرة على انتشال نفسها، وأن واقعها الحالي هو عاقبة اختياراتها الشخصية.

ومن ناحية أخرى، وبنفس مستوى الأهمّية، علينا الاعتراف بأن هذه الإيجابية المستمرة مكلفة مادياً، في ترويجها للاستهلاك بهدف الحفاظ على منظور إيجابي تجاه هذا العالم القاسي، والذي يطالبنا بأن نستمر في لعب الرياضة واستخدام منتجات عناية بالبشرة من أجل أن نحافظ على توازن نفسي. بالإضافة إلى أن هذا الخطاب يجعل من القيمة الإنسانية والنفسية متغيّرةً بحسب ما تملك من مادّيات، وقدرتها على مجاراة ما تستهلكه يومياً من مواد بصرية ترويجية، وهو ما يخلق مسافة أكبر من الشفاء النفسي كونه يخلق دوائر جديدة داخل الدوّامة. إن متطلبات الرفاه النفسي الاستهلاكية تحتاج إلى سيولة مادّية تقتصر على طبقة معيّنة، وتقصي النساء من طبقات أخرى ممن لا يمتلكن الوصولية للعناية بالذات الاستهلاكية، حيث تصبح النساء من طبقات كادحة غير مؤهلات للـ"شعور الجيّد" تبعاً لمعايير هذه الثقافة، وهو ما يعزّز من عزلتهنّ وشعورهنّ بالوحدة.

 نمتثّل أحياناً لمثل هذه الممارسات التي تروّج لها الثقافة الاستهلاكية الواعدة بالرفاه النفسي، حتى لا يتم طردنا من هذه الجماعة، حيث تصبح معايير الجماعة هذه هي المعايير التي نقيّم ذواتنا من خلالها، ويصبح من مسؤوليتنا أن نتقولب داخل الشكل القائم للجماعة داخل النظام الرأسمالي. مما يضطرنا في هذه الحالة في غالب الأحيان إلى التقليل من أهمية آلامنا النفسية واحتياجاتنا مقابل توفير احتياجات السوق، أو الطريقة التي يجب أن نكون عليها حتى نصنّف ك"منتجين أصحّاء". تعبّر يمنى عن ذلك في كلامها عن تذويت خطاب العناية بالذات الاستهلاكية قائلة: "أنا مش قادرة أدفع حق الحياة أصلاً، وصرت عنجد أشعر بالنقص لشو عندي وشو ما عندي، في فترة ما كنت أعرف أنام إذا ما عملت عناية ببشرتي بمليون خطوة، وأنا مش قادرة مادّياً عنجد، هذا فاقم من شعوري السيء".

 نحو التشافي المُسيَّس

لكن الضوء في آخر النفق -إن صحَّ التعبير عنه بذلك-، هو أن هذا النتاج الثقافي متشكّل كما ذكرت سابقاً، ويحمل كونه متشكّلاً معنى ضمني حركيّ باستمرار، ما يعطي مساحة لإعادة تشكيله وعجنه، وكسر هذه القوالب التي تُذوَّت إلى أنفسنا وسجن حواسنا داخلها، أي من الممكن صناعة لغة أخرى، تقوم بدورها بتشكيل سلوكيات وحركة اجتماعية مختلفة، لإيجاد مساحات متضامنة حقيقية.

ولهذا، تحاورت مع كريستين -عاملة في مجال الصحة النفسية في لبنان- للتفكير في إمكانيات خلق نماذج بديلة تتجاوز البنى المعرفية الي فككناها سابقاً، وتخلق آفاقاً أوسع تأخذ تعقيدات الواقع المعاش بعين الاعتبار والتطبيق. تقول: "هالمجال بيسحب حاله لما بيصير في سياسة"، تعي كريستين أن مؤسسات الصحّة النفسية تغض بصرها عن السياق السياسي، ولهذا بالذات تحاول كسر هذا النموذج من خلال اتباع نهج سياسي واضح في تقديم خدماتها، تقول: "بقلّها (للمنتفعة) إنه أنا متلك، عم عيش شو بتعيشي، تحت هيّ الظروف، منّك عايشة في اللالا لاند"، تموقع بهذا كريستين نفسها كجزء من جماعة المنتفعات اللاجئات لخدمات العلاج النفسي، ما يفتح الأفق ويكسر تراتبية العارف وغير العارف، كما تعتبر أن الاعتراف بالوضع السياسي القائم هو خطوة أولى لخلق "مبادرات ممنهجة مناسبة لسياقاتنا وبتناسب بلادنا".

إن هذا ليس فقط تعبير عن أن الشخصي هو سياسي -بمعنى ضرورة سحب الشخصي إلى المجال السياسي-، بل أن السياسي هو شخصي أيضاً، بمعنى أن الأحداث السياسية المتسارعة في الإقليم وتحولاتها المستمرة تطال الشخصي كونه المستهدف الأول والمتضرر الأول، فمعايير الرفاه النفسي الرأسمالية لا تبقى سياقاً خارجياً معزولاً عن الأفراد، بل تتجسد أولاً داخل التجربة الذاتية اليومية ذاتها، وتتشكّل على شكل ممارسات ضاغطة تجاه الذات والآخر لتحقيق إنتاجية عالية والتظاهر بالاتزان النفسي خوفاً من اللوم، حيث يسكن السياسي داخل اليومي والشخصي واللغة ذاتها. ولهذا تطرح كريستين نموذجاً للعلاج النفسي ينظر إلى الألم كناتج عن الواقع السياسي والاقتصادي، لا كمشروع فردي يحتمل اللوم أو تكليف بتمارين نفسية تهدف لجدولة الألم وترويضه سطحيّاً.

 بينما تواجه النساء مستويات عدّة من الاضطهاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يهاجمهنّ خطاب عنايةٍ بالذات ورفاهٌ نفسيٌ داخل ثقافةٍ إيجابيةٍ لا تأخذ بعين الاعتبار البُنى التي نشأ داخلها ألمٌ نفسيٌ غير معترفٍ به، خطابٌ يثقل النساء بعبء أكبر ويخلق مستويات أعمق من الألم مليئة بالعزلة والذنب وجلد الذات. تقاس آلامنا النفسية داخل هذا الخطاب بقدر تأثيرها على إنتاجيتنا ودورنا داخل عجلة الرأسمالية، وتصدّر لنا وصفات سحرية تدّعي القدرة على توفير الرفاه النفسي، إلّا أنها في حقيقتها تقوم بإدخالنا في غرفة مظلمة نجلس داخلها لوحدنا، إلّا أن فعلاً مضاداً جمعياً كاشفاً للبُنى السياسي هو ما ينقذنا، فهذه العزلة ليست عبثاً، بل متعمدة لتقويض قدرتنا على الفعل السياسي الجمعي.

إن هذا النموذج ليس حلماً طوباوياً، بل إن نماذج حديثة تقريباً عملت على هذا النقد على المتسويين المعرفي والتطبيقي. حيث خُلق علم النفس التحرري وعلم النفس المجتمعي كتوجهات معرفية نقديّة في جوهرها، لتخلق بنى معرفية مناهضة تُمحور القهر السياسي والاجتماعي كمصدر أساس للألم النفسي، لتتجاوز بذلك النفس التقليدي. وتعتمد بذلك أساليب جمعية في التدخل النفسي، تركز على الفعل الجمعي السياسي والمجتمعي كأسلوب أساس للشفاء. تقلب هذه النماذج وجهة النظر من خلال مفهمة الصحة النفسية من داخل المجتمع نفسه بدلاً من إسقاط مفاهيم جاهزة من الأعلى وتطبيقها على الأسفل. إن هذا التسييس للتجربة النفسية الذاتية يقلص المسافة المفتعلة بين الألم النفسي الشخصي والسياقات البنيوية التي خلقته، ويحوّل فهم الألم النفسي بوصفه مشروعاً فردياً إلى فهمه كناتج متأثر بالبنى السياسية والاقتصادية والطبقية. تفتح هذه النماذج احتمالات جديدة أمام الألم النفسي ولغة جديدة لفهمه العميق وتفكيكه،  لتخلق بذلك تراكماً معرفيّاً وإرثاً جديداً سيشكّل الواقع المعاش غداً.

 في دفء أحضانهن/م

عبّرت كل من يمنى وكريستين أن صداقاتهنّ والحاضنة الاجتماعية التي تحيط بكل منهنّ هي قمّة الرعاية الذاتية، إن الرعاية الجماعية[4] والتواجد بأبسط أشكاله ضمن صداقات تتشارك الهموم والمخاوف والتجارب تشكّل ملجأً ناجعاً في التخفيف من الآلام النفسية. ففي هذا الفعل مقولة سياسيّة مضادة واضحة مناهضة ومقاومة لسياسات العزل الممنهجة، كما أنها كشف واستكشاف أيضاً للبنى الاقتصادية والسياسية التي تسببت في هذه الآلام.

إن عملية التشافي ليست لحظة واحدة أو نقطة في خط التاريخ الشخصي، بل هي عملية وسيرورة، جمعية وسياسية بالضرورة، كما أنها قد لا تعني تغييراً آنيّاً للنظام القائم والمحيط بالضرورة، لكنها على الأقل حين تعمل في مساحة دافئة مستمعة وآمنة، تخفف من الشعور الخانق بأننا نقف وحيدات أمام عالم بأكمله تشكّله منظومة كبيرة تبدو غير قابلة للمقاومة وتشعرنا بالعجز المستمر.

ففي داخل هذا العجز كلّه، ومحاولات الهروب المستمرة التي تنتهي بركضٍ دائريٍ مكرّر، يكفي أحياناً أن نحارب الرغبة الطارئة بالعزلة، وأن نجلس وسط عائلاتنا المختارة، وأن نتشبّع بدفء أحضانهن/م، لنمدّ أجسادنا بما يعينها على الوجود. أحياناً لا نحتاج لحلولٍ لحظيةٍ سريعة، ولا نحتاج لفعل أي شيء تجاه ما نشعر به، يكفي أن نعبّر عنه براحة، وأن يتم سماعنا وتفهّمنا، يكفي أحيانا أن نجلس مع أحزاننا وأن ننظر بأعينها.

[1] الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية الاختصار العلمي (DSM) دليل تصدره الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين يعد الآن المرجع الأول في العالم في تصنيف الأمراض النفسية من أكثر الأدوات التشخيصية التي تستخدم في تشخيص اضطراب التوحد وغيره من الاضطرابات. يستخدم الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات النفسية في جميع أنحاء العالم من قبل الأطباء والباحثين، فضلاً عن شركات التأمين وشركات الأدوية وصانعي السياسات. للاطلاع: Sanad, "Sanad Platform," accessed August 17, 2025, https://sanad.info.

[2] 1. Joanna Moncrieff, “The Political Economy of the Mental Health System: A Marxist Analysis,” *Frontiers in Sociology* 6 (January 17, 2022): 1–17, https://doi.org/10.3389/fsoc.2021.771875.

[3] 1. Zakia M. Kahhoul, “The IDRLabs Toxic Positivity Test (IDR‑TPT), Validation Study in Lebanon” (Master’s thesis, Haigazian University, 2023), 10, https://doi.org/10.62811/th.0257.

[4] للاطلاع أكثر 1. Sharika wa Laken, “في تفكيك الرعاية الذاتية: لماذا نحتاج دائرًة نسوية؟,” *Sharika wa Laken*, July 24, 2023, sec. “في تفكيك الرعاية الذاتية... والسياسية,” https://www.sharikawalaken.media/2023/07/24/في-تفكيك-الرعاية-الذاتية-لماذا-نحتاج-د/#:~:text=هذا%20التوجه%20يُضفي%20مزيدًا%20من,كمفاهيم%20ذات%20جذور%20نسوية%20وسياسية.

This Content Isn't Available In English


Share this post