Skip to Content

Loss and Mourning: A Feminist Analysis of the Accumulation of Loss in Our Contexts

October 6, 2026 by
ربا حسّان - Ruba Hassan

هذه ليلة الخامس من آب/أغسطس عام 2026، أستلقي على سريري، في القاهرة، في أقصى لحظات جسدي هدوءاً وأكثرها هشاشةً وضعفاً.

طوال النهار مرت أمامي عشرات المنشورات لمشهدٍ وخبرٍ واحد: جنازةٌ تأخرت قرابة الثلاثة أعوام، لمائة واثني عشر شهيداً، بعد انتشال جثامينهم من تحت الأنقاض، من أصل ثلاثمائة وثمانية شهداء ارتقوا في مجزرة حي الصبرة بغزة واختفت آثارهم، في الشهر الثاني من حرب الإبادة. لا يمكنني وصف شعوري حين شاهدتها، لأنني لم أشعر بشيء، ربما هو برودٌ، أو هو تعودٌ على الألم، أو هو مستوى عميقٌ من التكيف يُسمى بالعجز المكتسب[1]، أو ربما هو كل ما سبق.

إلا أنني الآن، حين أوشكت على النوم، وبتصرفٍ تلقائي اعتادته يداي، فتحتُ هاتفي، ومرةً أخرى ظهر أمامي نفس المشهد والخبر، لأشعر بالشلل ذهنياً، لا أصدق! لا أستوعب! هل حدث هذا حقاً؟ هل حقاً قتلوا وأسروا منا بهذه الوحشية؟ أبالفعل استحال الناس ركاماً؟ هل تبخر أصدقاؤنا حقاً؟ هل كل ما مر بنا حقاً مر بنا؟

أحقاً لن أعود إلى بيتي في بيت حانون؟

أحقاً غزة التي نعرفها لم تعد؟

أظنني لستُ وحدي من تراودها هذه التساؤلات. الفقدُ جزءٌ أساسي من حياة كل إنسان، نتعلمه وندركه في الطفولة، حين نُضيع لعبة، ثم حين يموت عصفورٌ، حتى حين نفقد يومياً جزءاً من وعينا وإدراكنا بين اليقظة والنوم -كما أنا الآن-، شيئاً فشيئاً نربي استعداداً للفقد والحداد. لكن هل أبداً يملك إنسانٌ استعداداً لفقد كل شيء دفعةً واحدة؟ الأشخاص، الأماكن، الماضي، المستقبل، المجتمع، والمدينة بأكملها؟

نعيش في منطقة يحيط بها الفقد والموت منذ عقود، لا بطبيعيته جزءاً من الحياة وإنما بفعل القوى المحتلة المستعمرة المتوحشة التي لم تفتأ تقتّل فينا، على امتداد المنطقة، لا تمر شهور إلا والقصف والموت والعمليات العسكرية حاصلة في مكان ما، أحياناً نشاهدها عبر التلفاز، وأحياناً أخرى نصير نحن المشهد، ولا حاجة لبدء التعداد ومفاضلة الآلام، لكن يكفي أن تسأل أي شاب في عشرينات عمره كم قصفاً وموتاً وحرباً ودماراً شهد في سنوات عمره القليلة.

كل هذه الأسئلة عن الفقد وإدراكنا له، تجعله  سؤالاً مفتوحاً لا يجد المدى الكافي لاستيعابه، ويفتح سؤالاً كبيراً عن معنى الحداد أمام الموت المكثف والمتكرر، كما الأسئلة عن الصدمة والتعافي والتكيف، والطريقة التي يعمل بها جهازنا العصبي أمام كل هذا.  وأودُّ أن أستعير في هذا السياق، مصطلحاً طبياً يسمى بـ "ألم الطرف الوهمي" أو "Phantom pain"، وهو أن يشعر المريض بألم حقيقي أو حكّة، في جزء من جسمه بُتِر ولم يعد موجوداً[2]، كذراع أو قدم مبتورة. سبب هذا الألم أن الدماغ يستمر بإرسال واستقبال الإشارات العصبية للعضو المفقود كأنه لا زال موجوداً. لا أريد أن يختزل مفهوم هذا الألم الوهمي على العضو المبتور في الجسد كحالة بيولوجية طبية فحسب، إنما أسقطه هنا ليمتد نفسياً وذهنياً، ليشمل فرداً شهيداً أو أسيراً أو مفقوداً في أُسرة، بيتاً خلف الخط الأصفر[3]، البنية المجتمعية، وأيضاً الجغرافيا المبتورة منا. نتعامل بشكل فردي وجماعي، مع الأشخاص والأماكن كأنها لم تذهب قط، وهذا ما يفسر انغماسنا الجماعي المحموم في نشر صور ومقاطع لبلادنا قبل الحرب، للشوارع، للبيوت، للأشخاص الذين فقدنا، للبحر، للميناء، لسهراتنا وأفراحنا، وتعبيرنا المستمر عن خططنا وأحلامنا قبل الحرب. وفي كل ذلك، نبحث عن النُسَخ السابقة من ذواتنا، التي هي أيضاً أفقدتنا إياها الحرب.

وربما لا تكمن المشكلة كلها في الفقد ذاته، بجميع جوانبه، إنما أننا فقدنا مع فقدنا هذا كله، الشروط التي تجعل الفقد قابلاً للحداد؛ غياب يمكن إثباته، جسد يمكن توديعه، قبر يمكن زيارته، مجتمع يشاركنا الحزن، ووقت يسمح لكل هذه الشروط أن تحدث. وفي الحرب تُنتزع كل واحدة من هذه الشروط.

لا جسد .. لا حداد

اليوم هو السادس من آب/أغسطس 2026، توفي عم والدتي اليوم، في القاهرة، عرفتُ الخبر من مجموعة العائلة على الواتساب، ومرةً أخرى، لم أشعر بشيء. تجنبتُ رؤية والدتي منهارةً قبل أن تذهب لجدي، تظاهرتُ بالنوم. وبقيتُ أفكرُ في ظروف هذا الموت، عم والدتي لا أحد له من أسرته في مصر، سوى زوجته وأخيه (جدي)، ولأننا محكومون بالفقد، بالغياب، بالوداع، وبالمسافة، فأولاده جميعاً مشتتون في بقاع الأرض، إلا البقعة التي قُدِّر له أن يواجه المرض والموت فيها. ورغم ذلك، فُتِحَ له بيت عزاء، سيوارى الثرى غداً، وقبل وفاته تلقى العلاج، وخضع لعدة عملياتٍ جراحية. ولأننا فلسطينيون محكومون بالألم، فكرتُ في كم من أم/أخت/زوجة/بنت شهيد تمنّت لفقيدها ظروف الموت هذه، أو أن ترى له جثماناً على الأقل! ولذلك حين رأيتُ الخبر، قلتُ في نفسي: "ما أهدأ هذا الموت!"

وما بين هذا الموت الهادئ في مصر، وموت شهداء مجزرة الصبرة في غزة، مسافةٌ تُقاس بغياب كل ما يجعل الموت مكتملاً، ليُفقَدُ مفهوم الفقد نفسه. فالفقد بمعناه الكامل يبدأ بالغياب وينتهي بالحداد، وهو ما يحتاج جسداً ليُرى ويُوَدّع، ثم يُدفَن بقبرٍ معلوم، أما الفقد بغزة فهو بلا جسد، الأمر الذي يجعله فقداً مُبهَماً أو حالةً مُعلقة؛ لا الغائب حاضراً ولا شيء يثبت غيابه الأبديّ. لا جسد، فلا قبر، لا يقين بالغياب، فلا حداد.

كما لا يختلف هذا الفقد  المبهم  عنه في اليمن مثلاً، الأمر الذي أصابني بصدمة، ففي اليمن حالة فقدٍ مبهمٍ دائمة ومستمرة لعقود، منذ السبعينيات وحتى الآن، عبر سلسلة من الحروب المتعاقبة. يتكرر النمط ذاته، تنتهي الحرب وتُغلق الملفات، يعود من يعود، ويبقى مصير من لم يعد مجهولاً دون أثر لعقود، آلاف فقدوا في الحروب وآلاف آخرون أُخفوا قسرياً، وما يزيد الأمر صعوبةً هو طبيعة البلاد الجبلية، وعدم معرفة الأهالي للظروف التي فقد فيها فقيدهم، كما لا يملك معظم الأهالي وصولاً إلى القنوات المتاحة للتواصل مع المؤسسات المعنية لتقصي أخبار أبنائهم[4].

هذا الفقد المبهم يخلق تبعات أكثر من مجرد انتظار لا يستطيع التحول لحداد، حالة الانتظار تُعلّق حياة الأسرة بأكملها؛ بدون جثمان أو شهادة وفاة، تبقى قضايا الإرث معلقة، الزوجة لا يمكنها حسم حالتها الاجتماعية، والأبناء لا يمكن اعتبارهم يتامى وهو ما يُضيع حقهم في كفالات الأيتام والمؤسسات المعنية مثلاً.

يختلف الأمر في سياقات التغييب القسري والفقد في السياق السوري، فجاءت للفقد لحظةٌ كان يفترض بها أن تحسمه، عاشت عائلات المفقودين سنوات طويلة دون معرفة مصائر أبنائها، ومع سقوط نظام الأسد وخروج المعتقلين من السجون، كانت السجلات السجنية قد ضاعت، وبقيت عائلات المفقودين تحمل صور أبنائهم دون إجابة عن مصائرهم.

وفي الموازاة، ظهرت ظاهرة أخرى يتخذ فيها هذا الفقد بعداً جندرياً واضحاً؛ فوثقت جهات حقوقية وأممية اختطاف عشرات النساء والفتيات من الطائفة العلوية من الساحل السوري في الأشهر التي أعقبت سقوط الأسد[5]، في شهادات عن تعرضهن لعنف جنسي وزواج قسري، بينما حالات أخرى بقيت مجهولة المصير. هذا ما يكشف كيف يكون جسد المرأة في أحيان كثيرة أحد ميادين الحرب، ساحة للعقاب والانتقام والإذلال، فيُنظر لجسدها كامتداد لعائلتها وجماعتها، وبالتالي اختطافها والاعتداء عليها وسيلة لإيصال الأذى وإذلال من تنتمي إليهم.

كما وُجه لبعض أهالي المختطفات كلام من باب السخرية والإهانة كنصحهم بمغادرة سوريا، وتذكيرهم بأن المختطفة المتزوجة إن عادت، عليها الدخول بالعدة كأنها مطلقة، أي أنه افتراضٌ مسبق، بأنها سُبيت أو تزوجها خاطفها[6]، هكذا يكون الفقد مصدراً مستمراً للخوف والتخمين والعار الذي يُفرض على المفقودة وأهلها.

الحداد تحت النار

على الرغم من رؤيتي للموت الهادئ كامتياز حُرِمَ منه الغزيُّون، حيث صار الموت العنيف والمفاجئ والمجهول جزءاً من الحياة اليومية، فإنه ليس بالضرورة الموت المرغوب في كل سياق، ففي سياق جنوب لبنان مثلاً تمنح الثقافة الدينية الموت معنىً آخر. تخبرني صديقتي عن عائلة شاب في جنوب لبنان توفي خلال الحرب وفاةً طبيعية[7]، فكانت العائلة في عزائه تتحسر لأنه مات ميتةً عادية لا شهيداً. قد يبدو هذا الشعور بالحسرة أمراً غريباً ومتناقضاً مع الحزن على فقد الابن، وهذا لا يعني بالطبع حبهم للموت وتفضيله على الحياة، فالرغبة بالنجاة هي الأصل، ولكن إذا كان الموت احتمالاً لا يمكن تفاديه، يكون ذا معنى وكرامة إذا كان بمواجهة ذل وظلم الاحتلال. نفهم الأمر أكثر إذا وضعناه داخل ثقافة دينية تشكّلت حول الشهادة، خصوصاً الذاكرة الشيعية لكربلاء واستشهاد الحسين، والحضور الدائم لأهل البيت في الوعي الجمعي، وما يرتبط بكل ذلك من معنى للفداء والتضحية، الأمر الذي يضع الموت في سياق أكبر من حياة الفرد نفسه، فيُنظَر للشهيد كصاحب موت ذي قيمة ومعنى.

في نفس السياق، نظراً للارتباط الوثيق بالأرض، ظهر ما يسمى بـ "دفن الوديعة"[8]، فيكون الشهيد قد أوصى بدفنه في بلدته بعد موته، وإذا تعذر الدفن بسبب الخطر الإسرائيلي، يُدفن الشهيد كوديعة داخل تابوت في أرض مؤقتة، ليُنقل بعد ذلك إلى بلدته حين يقل الخطر، وعلى الرغم من كون الأمر تنفيذاً لوصية الشهيد، إلا أن أهله، في تجربتهم النفسية، يختبرون موته ثلاث مرات، مرة حين يستشهد، ومرة حين يُدفن بغير أرضه، ومرة حين يستخرج من الأرض ليُدفن الدفن الكامل والأخير.

وكما يستلزم الحداد جسداً وخبراً ومعنىً ودفناً، فهو يستلزم أيضاً مجتمعاً يشاركنا الحزن ويحتضن حدادنا، وحين ينهار المجتمع ويتشتت أفراده، ينهار معه شكل الحداد المعتاد، وهو ما يظهر جلياً في حرب السودان التي تقدم النموذج الأكثر قسوة لتفكك هذا العصب الجماعي.

كان المجتمع السوداني قبل الحرب مجتمعاً يعتز بالقرية ومشدوداً لها حتى في تمدُّنه، ومن أكثر المجتمعات تكافلاً، فكان الفرح والحزن فعلاً جماعياً يتقاسم فيه الجيران وأهل القرية أعباء المناسبة كاملةً عن أهلها، حتى أن الفرح أو الوفاة يُعلنان عبر أهل القرية من زغاريد النساء أو ولولتهن. كانت القرية هي وسيط الحداد ومُحتضنته، وهذا ما كان يخفف الحزن وعبء الفقد على أهل الفقيد.

مع الحرب تشتت السكان بين نزوح داخلي ولجوء خارجي، ومع سرعة سيطرة قوات الدعم السريع على المناطق واحدة تلو الأخرى، وانقطاع شبكات الاتصال والانترنت والكهرباء الكاملين، تفكك النسيج القروي المتكافل، ما فكك الطقوس الجماعية للحداد، لم يعد يعرف أحدٌ ما حلّ بالآخر أو حتى مكانه، وأصبح نقل خبر الوفاة يستغرق أشهراً. وبسبب حالات الموت الجماعي، أصبح الدفن فعلاً فردياً يقام على عجل في أقرب مكان متاح، في المنازل والجامعات والشوارع[9]، بعد أن كان الدفن فعلاً جماعياً يقوم به كل أهل القرية، بالوقوف على قبر الميت وقراءة الفاتحة واحداً تلو الآخر بجانب أهل الميت.

وثمة طبقة أخرى من القسوة في الفقد والحداد، تتعلق بالجهة التي تسببت بالموت، كما في السياقين: السوري والسوداني. حيث يتحول الجار أو القريب أو ابن البلد نفسه إلى قاتل ومستبيح، فيتوسع الفقد ليكسر العصب الأخلاقي والاجتماعي الذي تقوم عليه فكرة الجماعة التي كان يفترض أن تحمي الفرد داخلها.

وفي كل ظروف الفقد هذه، من غزة، واليمن، وسوريا، ولبنان، إلى السودان، يُجبر الجميع على مجاراة الحياة والاستمرار للبقاء والنجاة تحت النار، دون أدنى رفاهية للحزن الطبيعي الذي يحتاج توقفاً لاستيعاب الفقد.

عن الذنب والعار

هذه المجاراة المستمرة للحياة، ترتبط مع الناجين غالباً بمشاعر الذنب؛ الأبناء الذين فقدوا آباءهم وهم يحاولون تأمين لقمة عيشهم، كيف سيكبرون دون شعور الذنب أنهم أحياء بينما أبواهم ماتا لأجل إطعامهم؟ البنت التي نجت لأن أمها حمتها من النيران حتى ماتت، كيف ستعيش مع فكرة أن حياتها قد كُلِّفت بحياة أُمها؟

عقدة/ذنب الناجي، هكذا يَعرفه علم النفس، وهي حالة نفسية تحدث لمن نجوا من حدثٍ صادم بينما لم ينجُ الآخرون، وتتحول فيها الحياة من نعمةٍ إلى عبء على الناجي. يتفاقم هذا الذنب ليرافقه شعورٌ بالعار أحياناً، لتصبح الحياة نفسها وممارستها تستوجبان التبرير، وهو ما لمسته في قصةٍ لسيدة غزية، اضطرت لإعالة أسرتها بعد استشهاد زوجها، عبر الخبز على فرن الطين بالأجرة للنازحين، تعرّض طفلها للحرق من نار الفرن، وتُوفّي متأثراً بالإصابة.

ولأن قسوة الواقع تُجبر الناس لإعادة الحياة لشكلها الطبيعي -وإن لم يكن يوماً طبيعياً-، لأن جوع باقي الأطفال لا ينتظر الحزن، و لانعدام الخيارات، استمرت المرأة بالخبز على نفس الفرن، ثم توقفت عنه لاحقاً، لأن الجميع اتهمها بقسوة القلب لاستمرارها بالعمل عليه، العار هنا أُستُخدِم كآلية ضبط اجتماعي للحزن.

وهنا يلزم تفكيك مفهوم العار وتفريقه عن الذنب، اللذَين غالباً ما يُخلط بينهما؛ فالذنب شعورٌ داخلي بلوم النفس وإلزامها بتحمل مسؤولية فعلٍ ما، قد يكون أحياناً صحياً إذا ما ارتبط بصوت الضمير، كالاعتذار عند الخطأ، وأحياناً أخرى يكون مرضياً فيتحول لعبءٍ يستنزف الشخص. أما العار فيبدأ بتقييم وحُكم خارجي في بيئات قائمة على النقد والقبول المشروط، ليؤثر على صورة الإنسان بعين نفسه، فيقلل من قيمة ذاته ويحتقرها[10].

وهذا العار نفسه يمثل امتداداً لبُنية وموروث ثقافي عميق في مجتمعاتنا العربية -حتى بغير سياق الحرب-، التي تفرض كتالوجاً محدداً للحزن والحداد، تتحمل فيه المرأة النصيب الأكبر من العبء؛ يُملى عليها الحداد عبر تفاصيل تشمل جسدها وكل نواحي حياتها اليومية، من لون ومظهر ملابسها، إزالة شعر وجهها، حركتها، ابتسامتها، وحتى استمرارها بالحياة، وأيّ خروج عن هذا الكتالوج يُخضِعُها للمحاكمة والتقييم المجتمعي.

في قصة السيدة والفرن، حوصِرت المرأة بين دورين إجتماعيين متناقضين، أن تكون الأم الثكلى المكلومة الحزينة الحادّة من جهة، وأن تكون الأم المعيلة من جهةٍ أخرى، بين حقها في الحزن دون أن يشكك بصدقه أحد، وأن تواصل العمل من قلب مصدر الفاجعة لأنها تُرِكَت وحدها في مواجهة واقعها وجوع أطفالها.  وأعتقد أن العار الذي لحقها بكونها قاسية القلب، وظيفته الأساسية إعادة فرض السيطرة المجتمعية على خيارات المرأة بالتحديد، لكونها الطرف الوحيد المتاح، لمجتمع فقد قدرته على التحكم في مجرى واقعه، لأن هذه المرأة باستمرارها رغم مرارة خسارتها، تُدرك -ولو بالصدفة- أن الاستمرار بحد ذاته ممكن.

بالعودة لعقدة أو ذنب الناجي، فحسب علم النفس، قد ترتبط باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) [11]، وهو مصطلح يفترض وجود مسافة ما بعد الصدمة لحدوث الاضطراب، المفارقة هنا أن من يعيش تحت النار لا يملك  أبداً رفاهية تجاوز الصدمة لمرحلة الـ "ما بعد الصدمة"، إنما يعيش الصدمة باستمرار وفي تماس مباشر معها يومياً.

حالات كهذه، من عقدة الناجي والصدمة المستمرة، تستوجب علاجاً نفسياً متخصصاً، ومفارقةٌ أخرى هنا، أن منظومة الصحة النفسية تحت الحرب، من أطباء نفسيين ومعالجين، تعرضوا لنفس الصدمات. فكيف يعالج المصدوم مصدوماً، وهو نفسه يحمل ذات الفقد وذات الذنب الذي يحاول مساعدة غيره على تخطيه؟

ولكن قبل أن نتساءل كيف نحدّ ونحزن ونتعافى بعد الموت، ثمة سؤال أكثر بديهية: هل نفهم الموت أصلاً؟

ما هو الموت؟

كلما مات أحدهم، أستغرب، أشعر أن الموت فكرةٌ عصيةٌ عن الفهم، كيف يمكن لإنسانٍ من لحم ودم، كان يشاركني الحياة، كان يتحدث ويتحرك ويشعر ويضحك، أن يتحول لمجرد صفة؛ شخص ميت! كيف مات؟ كيف رموا التراب فوقه؟ كيف صار الأمر هكذا؟ ولماذا؟ وإن كنت أحبه حقاً، كيف سمحت له أن يبقى تحت التراب وحيداً وأمضي؟

كل هذه أسئلة لا أفهمها، رغم أنني أقترب من الثلاثين من عمري.

وإن كنتُ أنا، بهذا العمر، ولا زلت عاجزةً عن الفهم، فكيف يُفترَض لطفلٍ سُلِبت منه الأدوات المعرفية لفهمه، أن يتعامل مع الموت، وهو يواجهه بشكل مكثف ومباشر، وفي كثير من الحالات يفتقد لمن يوجهه ويساعده على الفهم، وفي حالاتٍ أكثر، لا يملك وقتاً لطرح الأسئلة.

يبدأ الطفل عادةً بناء وتطوير فهمه لمفاهيم القدر والموت وما بعد الموت في سن ما بين الخامسة والسابعة، ولا يصل للفهم الكامل للأبعاد الأساسية للموت إلا مع بداية عمر المراهقة[12]. وأقصد بالأبعاد الأساسية للموت؛ أنه حتميّ يصيب جميع الكائنات الحية، لا رجعة فيه، سببيّ، ويؤدي لانقطاع جميع الوظائف الحيوية.

هذا الفهم الكامل للموت يكتسبه الطفل عن طريق الأبوين، المعتقدات الدينية، وأيضاً من خلال المدرسة، وهذا ما يمنحه وقتاً كافياً وأساساً نفسياً لاستيعاب ماهية الموت. ولكن هذا كله يحدث حين تتخذ الحياة مسارها الطبيعي، لا يكون فيه الموت موضوعاً بارزاً في الحياة اليومية.

وهذا مدخل أساسي للتساؤل عن المصير العقلي والنفسي لطفلٍ تحت الحرب، في صدامٍ مباشر مع الموت يومياً، لا يملك وقتاً للفهم ولا لطرح الأسئلة، وماذا لو كان المفقود هو أحد الأبوين أو كلاهما، أي من كان يُفترض أن يرشده ويجيب تساؤلاته ويوجهه ويهدّئ ألمه؟ وكيف لو كان شاهداً على طريقة موتهم بأقسى طريقة وأكثرها وحشية؟

هذه الوحشية نفسها تربط الموت في ذهن الإنسان بالألم الجسدي والتعذيب، وهو ما يفترض أن يجعل الموت مرعباً موحشاً مؤلماً في ذهن طفلٍ صغير، إلا أن إحدى الدراسات خلال حرب الإبادة قد أظهرت أن 49% من الأطفال في غزة يتمنون الموت[13].

يعني أن الفقد نفسه تجاوز مجرد الموت، تجاوز أيضاً الحق في الحداد، ليشمل الرعاية العاطفية والنفسية، الطفولة التي أصبحت ترى الموت كفعل نجاة من واقع لا يُحتمل، وأيضاً فقد لخصوصية ألم الفقد، وأحياناً أخرى فقداً للشاهد.

التعاطي الإعلامي مع الفقد

هل من الممكن أن يتحول الفقد إلى سلعة؟ سلعة تُباع ويُفاوَض على سعرها، ومن ثم تُستهلَك؟

يُجبَر الغزي المكلوم على استعراض ألمه أمام الكاميرات، ظناً منه أنه بذلك سيثبت أو سينتزع من العالم اعترافاً بإنسانيته، إلا أنه في زمن الصورة والفيديو، يصبح الألم مشاعاً عاماً، للجميع حق استخدامه والانتفاع منه، مجرد محتوى يقاس بعدد التفاعلات والمشاهدات. لا يكفي خبر إبادة عائلة كاملة لإثارة الاهتمام، على الجمهور أن يرى الفجيعة، أن يرى أشلاءهم ودماءهم، وأن يسمع صراخ وبكاء من حولهم. لحظات الفقد والانهيار، اللحظات الأكثر حميمية وخصوصية في حياة الإنسان، تتحول لمادة استهلاكية تُنتَزَع منه بلا إذن.

هذا -وإن لم يدرك أحد- يُعدُّ شكلاً من أشكال العنف والانتهاك النفسي والإنساني، كما يُجرّد الفقد نفسه من الكرامة والخصوصية. كل هذا يختبره ويقاسيه الضحية هناك، بينما على الطرف الآخر من العالم، خلف الشاشة، من تعوّد على مشاهد الألم، فاستهلاكها المتكرر أنتج في نفسه مناعةً ضدها، أو آخر -كما أجدني هنا- يصاب بشللٍ ذهني. أي أن الجمهور نفسه يطوّر آلية نفسية للتعامل مع الوحشية والفقد والألم الذي يشاهده، بينما من يعاني الفقد حقاً يُحرَم من التقاط أنفاسه، أو حتى ممارسة انهياره بعيداً عن أعين العالم، إن سُمِح له بالانهيار أصلاً.

وعلى النقيض تماماً من غزة، حيث الفقد حاضرٌ أكثر مما يحتمل الإنسان حتى تحوّل لمادة استهلاكية، ففي السودان لا يصل الخبر أصلاً ليُستهلَك، فلا تجد الضحية جمهوراً يعرف ما فقدت. تغيب أخبار السودان عن الإعلام العربي بشكل يكاد يكون ممنهجاً، وأرى لهذا الغياب عواملاً متشابكة، تبدأ بعنصرية تاريخية تجاه أفريقيا وشعوبها، ساهمت في النظر للسودان كمجرد أزمة أفريقية أكثر منه امتداد للقضايا العربية. ثم النظر لحرب السودان -رغم فداحتها- كصراع "داخلي" ما يجعلها أقل جذباً للاهتمام الإعلامي والجمهور، بينما تحظى قضايا بلاد الشام باهتمامٍ أكبر لأنها تصطدم مباشرة بقوى عالمية كبرى -إسرائيل والولايات المتحدة-، وقد اندلعت حرب السودان في أبريل 2023، لتسبق حرب غزة بأشهر قليلة فقط وتحصل الأخيرة على قدر كبير من الاهتمام، وهو ما ضاعف التغييب الإعلامي عن السودان. وإضافة لذلك انقطاع الكهرباء والاتصالات في السودان، ليصبح الخبر بعد كل ذلك حبيساً لأفراده وفاقداً للشاهد.

وفي الحالتين، في غزة والسودان، تفقد الضحية السيطرة على رواية فقدها.

الغضب حداد

شاهدتُ مؤخراً فيلماً وثائقياً اسمه "الأحلام الممكنة"، عن فلاحة مصرية من السويس تهجّرت عام 1967، " لما اشوف اللي بيضرب الصاروخ ده عشان لو شفته وجها لوجه، ومعوش حاجة اقوى مني كنت قطمت رقبته، كان الغيظ ماليني من شي اسمه اسرائيل"[14] هذا ما قالته السيدة، الغيظ لا الحزن لا البكاء لا الضعف ولا القهر.

أفكر في استجابة هذه السيدة لفقدها، وكيف أن أمهات شهدائنا وفقدائنا اليوم في غزة والضفة ولبنان، هم امتداد لهذه الفلاحة العربية المصرية، كما أيضاً نبرة الفخر لأخ الشهيد السوري أمين سليمان الذي استشهد متصديّاً للقوات الإسرائيلية في ريف درعا[15].

ما يجعلنا نرى الزاوية الأخرى من الفقد وحدادنا عليه، زاوية يتخذّ فيها الغضب والتحدي والفخر شكلاً من أشكال الحداد، وهو ما لا ينسجم مع النموذج الشائع للحزن (نموذج كوبلر-روس) الذي يُعامل الغضب كمرحلة مؤقتة وعابرة تنتهي بالقبول، بينما في ثقافاتنا العربية لا يعتبر القبول نهاية أخلاقية صحيحة نظراً لسياقنا الاستعماري وواقعنا المعاش، فيشكل الغضب والتشوُّف للحظة الانتقام الشكل النهائي والكامل للحداد.

هذه ليلة الثاني عشر من آب/أغسطس 2026، أُفكّر في موقعي، أكتب عن الفقد وأنا في القاهرة، بجسدٍ سليم، على سريرٍ لم يهتز منذ عامين ونصف إلا حين وقع الزلزال، أملكُ وقتاً وراحةً وكهرباء، لا يملكها أهلي في غزة، لأُنَظِّر فيما يعيشونه. وأسأل نفسي: "هل أملك حق التحدث باسم المكلوم؟" أم أن هذا التنظير هو نوعٌ آخر من ألم الطرف الوهمي، أشعر فيه بجسدٍ جماعي بُتِر مني جزئياً، فأتحدث عنه كأنني لا أزال بداخله؟ أم أن الكتابة نفسها شكلٌ من أشكال الحداد، الذي لا يخضع لاستهلاك الصورة؟

لا أعلم.

[1] Theory of Learned Helplessness, Seattle Anxiety Specialists, No Date.

[2] Living With Phantom Limb Pain, Amputee Coalition, 2024.

[3] الخط الأصفر هو خط تقسيم جديد أقامته "إسرائيل" بعد حرب أكتوبر 2023، ليكوّن حدوداً جديدة في غزة وفي جنوب لبنان، تقع سيطرة إسرائيل العسكرية على كل ما قبل هذا الخط، الذي يبتلع أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، بينما يبتلع ما نسبته 4.8% من مساحة لبنان.

[4] المفقودون في اليمن: ندوب غائرة في لصراعات متسلسلة، مدونة الإنساني، 2025 .

[5] المختطفات والمفقودات السوريات، عنب بلدي، 2026.

[6] من يخطف علويات سوريات في وضح النهار؟ درج، 2025.

[7] مقابلة شخصية مع صحفية لبنانية، آب/أغسطس 2026.

[8] دفن الوديعة… رحلة الموتى المتكررة في حروب لبنان، العربي الجديد، 2026.

[9] البيوت صارت مقابر، BBC News عربي، 2023.

[10] العار والذنب والفشل العربي في التغلب على العجز، مركز دراسات الوحدة العربية، 2016.

[11] Coping With Survivor’s Guilt, Verywell mind, 2026.

[12] Understanding Death with Limited Experience in Life, National Library of Medicine, 2015.

[13] أطفال غزة يعانون أزمات نفسية حادة في ظل استمرار العدوان، مركز العودة الفلسطيني، 2025.

[14] فيلم الأحلام الممكنة، عطيات الأبنودي، الدقيقة 12، 1982.

[15] فيديو أخ الشهيد أمين سالم سليمان، 2025.

This Content Isn't Available In English


Share this post